لقد أوتى أسلافنا قدرة فائقة على الإبداع في التصنيف، فأخرجوا لنا كنوزاً كانت مختبئة في عقولهم، لينيروا بها لنا دروب الحياة، ويحيوا فينا الأمل والرجاء، وكأني بهم يصرخون من وراء الغيب، هذا ما صنفناه وأبدعناه،ووصلت به أمتنا إلى المراتب العليا من الحضارة الإنسانية، فهل حافظتم عليه؟ وهل هضمتم ما فيه؟ وهل أثرى معارفكم وعلومكم؟ وهل أبقيتم لأمتنا مكانتها بين الأمم، حيث كانت في المقدمة؟
ما بالكم تقاعستم عن هضم ما قدمناه لكم على موائد العلم وتركتموه تعيث به العوامل الطبيعية فساداً؟ تلك الصيحة التي لا يزال صداها يهتف بنا، الا انهضوا ولا تتقاعسوا، ولعلّ الإبداع الذي أبان عن مقدرتهم التصنيفية في فنون العلم كلها، يعبَّر به عما أضاءوا به حياتنا من جوهره ولبابه، إضافة إلى الشكل الذي صنفوا فيه كتبهم، حيث نجد الكتاب الواحد (من حيث الشكل لا الجوهر) يُقرأ بأشكال متعددة يخرج من قراءة كل شكل كتاب في موضوع غير موضوع الكتاب الآخر الذي كتب بالشكل الآخر.
ومن الكتب التي نُظمت بهذا الشكل كتاب: الروضة الفائحة في تفسير الفاتحة، من تصنيف الحسين بن مائة المغربي المالكي، من رجال القرن العاشر.فقد نهج في تأليفه نهج من سبقوه بالتأليف بهذا النوع من التأليف، ولسنا بصدد تحديد أوائل المصنفين الذين أظهروا إبداعهم في التأليف وقد سبقوه أو نعدد بما صنفوه، فليس هنا مجاله.
ان المقدمة التي قدّم بها للكتاب تفصح عن الكتاب فقد قال فيها: (فإن الله الهمني) هذا المختصر العجيب بهذا الترتيب الغريب، يُقرأ جملة فيكون تفسيراً على الفاتحة، ثم إنّ أوائل سطوره وأواسطها وأواخرها موفقة بهذا الترتيب ثلاث طرق تخرج منها خمسة معانٍ.. حروف الطريق الأول مثناة المداد والتداخل.. الثاني مثناه المداد مفردة التداخل.. الثالث مفردة اللون اعمد إلى رأس منهج الافتتاح واجمع حروف اللون المفتتح به الكتاب تخرج لك سورة الم نشرح،
ثم اجمع باقي الأوائل تخرج لك آية الفتح إلى قوله: وينصرك الله نصراً عزيزاً. ثم انتقل إلى الثاني واسلك كسلوكك الأول في الجمع تخرج من حروف اللون المفتتح بوسط السطر الأول وصية من الوصايا الكثيرة النفع (وصية هارون الرشيد للأصمعي)، ثم اجمع باقي الأواسط يخرج اسم الكتاب مع تاريخه واسم مؤلفه الراجي من فضل الله فتحاً مبيناً للمؤلف برسمه واسم المشار إليه ثم اجمع حروف الطريق الثالث يخرج دعاء بالأسماء الحسنى.
من تلك المقدمة نستنتج ان قراءة الكتاب أفقياً تعطينا تفسير سورة الفاتحة، وقراءة الأحرف الأولى المثناة المداد والتداخل من كل سطر تعطينا كلمات سورة ألم نشرح، والآيتين الثانية والثالثة من سورة الطلاق، ثم الآيات 3 ـ 5 من سورة الممتحنة، ثم الآيتين 128 ـ 129 من سورة التوبة.وبجمع الحروف الممازجة للحروف الأولى من كل سطر تعطينا الآيتين 1 ـ 2 من سورة الفتح، ثم الآيتين 62 ـ 63 من سورة الأنفال، ثم الآية 9 من سورة الصف، ثم الآيتين 28 ـ 29 من سورة الفتح.
أما الحروف التي في أواسط الأسطر فتعطينا وصية هارون الرشيد إلى الأصمعي. وبجمع الحروف الممازجة للحروف في أواسط الأسطر. تعطينا عنوان الكتاب واسم مؤلفه وسنة تأليفه، ومن خدم بتأليفه خزانته وهو السلطان بايزيد. أما الحروف الأخيرة من كل سطر في الكتاب فتعطينا دعاء المؤلف بالأسماء الحسنى.
المؤلف:
لم نجد للمؤلف ذكراً فيما رجعنا إليه من كتب التراجم سواء المغربية أو المشرقية، وكل ما عرفناه ما سجله نفسه في هذا الكتاب من ان اسمه حسين بن مائة المغربي المالكي، وانه ألف هذا الكتاب سنة 911هـ وقدّمه هدية لخزانة السلطان العثماني بايزيد. كما أننا لم نعثر له على مؤلف آخر غير هذا الكتاب.
الكتاب:
إن العنوان الذي وضعه المؤلف لكتابه هذا يشي بمضمونه، حيث خصصه لتفسير سورة الفاتحة وذلك بقراءة الكتاب سطراً سطراً وقد قدّم بين يدي تفسيره عدة فصول.
النسخة المخطوطة
هذه النسخة محفوظة في مكتبة أحمد الثالث في تركيا تحت رقم 59 وعنها نسخة مصورة في مركز جمعة الماجد على الفيلم 4740، تتكون من 27 ورقة، وفي كل صفحة منها 13 سطراً، قياسها 26 ظ 81 سم.كتب في آخرها الآيات التي تضمها كلمات حروف أوائل السطور، والوصية التي تضمها كلمات حروف أواسط السطور، وما ورد من كلمات الحروف الممازجة لها ثم ما تضمه حروف أواخر السطور من دعاء بأسماء الله الحسنى.
وقد قمت بتحقيق هذا الكتاب، ودفعت به إلى المطبعة، وسيصدر قريباً عن دار الوثائق بدمشق والله هو المعين.تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه كتاب جمع فيه مؤلفه بين الإعراب والتفسير، كما أنه ما يتعلق بالسورة من فضائلها، وأسمائها ومكان نزولها، وفصل معنى كل من التفسير والتأويل والمعنى، إلى غير ذلك مما تكشف عنه قراءة الكتاب.
عبدالقادر أحمد عبدالقادر
مركز جمعة الماجد للثقافة والعلوم