قدم ابن عبدالبر القرطبي لديوان أبي العتاهية الذي اعتنى به فقال: «الذي حملني على اختصاص شعر هذا الشاعر دون غيره من الأكابر: كثرة ما في شعره من ذكر التقوى، وما يزهد في الدنيا ويرغب في الأخرى، وهو في شعر غيره وجود في عدم، وفيه أيضاً ضروب من الحكم قد احتوى على نظمه الرائق وقاده إليها طبعه الفائق»، وفي المقدمة أيضا أن مصعب بن عبدالله بن الزبير قال إن أبا العتاهية أشعر الناس فسئل في ذلك فقال إنه استحق هذه المكانة بقوله:
تعلقت بآمال
طوال أي آمال
وأقبلت على الدنيا
ملحا أي إقبال
فيا هذا تجهز للفراق:
الأهل والمال
فلابد من الموت
على حال من الحالِ!
أبو العتاهية كنية إسماعيل بن القاسم مولى عنزة «ينتمي بالولاء إلى قبيلة عنزة وإن لم يكن هو منها ولا عربياً» ولد سنة 130 هجرية في عين التمر قرب الكوفة وتعيش ببيع الفخار، وبرع في الشعر فاستفاد منه في مدح الكبراء ووصل إلى الخلفاء وحصل مالاً وفيراً. وكان في أول حياته مثل كثير من الشعراء في زمانه ثم تزهد، وظهر ذلك جلياً في شعره الذي غلب عليه هذا الغرض. وكانت وفاته ببغداد سنة 211 ه.
وكان لشعر أبي العتاهية سيرورة بين الناس، وقبول من الخاصة والعامة، وكان الملاحون ينشدون من شعره في أغانيهم التي ينشدونها لتساعدهم «نفسياً» في أثناء عملهم الشاق. وساعدهم على ذلك أن أبا العتاهية سهل الألفاظ، قريب المعاني قليل التكلف. بل إن شعره ربما تجاوز الرقة والبساطة إلى الركاكة والضعف «وهذا قليل».