من المعروف أن المستعرب الفرنسي جاك بيرك، الذي ولد في الجزائر، ليموت في فرنسا قبل أعوام قليلة وقد صار شيخ المفكرين الفرنسيين ذوي الاهتمامات العربية والإسلامية، عاش سنوات عديدة في المغرب التي وضع عنها أول كتبه. وهو هنا، في هذه الصفحات من مذكراته التي صدرت تحت عنوان «المربيات» يروي لنا بأسلوبه الراصد، وألفته الكبرى مع العالم الذي يتحدث عنه، حكاية بعض السنوات التي عاشها في فاس، مساعدا للقاضي من ناحية، أو متوغلا في دراسته للغة العربية والفكر الإسلامي من ناحية أخرى.

كانت تجربتي كمساعد بلدي في مدينة فاس المغربية في العام 1934، تجربة جذرية في حياتي. وكان في الإمكان تأخير حقبة خدمتي العملية بين تاريخين. فأنا بدأت الخدمة في الفترة التي مات فيها ليوتي، وانتهت خدمتي في الوقت نفسه الذي جاء فيه سيدي محمد، محمد الخامس.

إذن، فان الفترة التي عشتها في المغرب تمثل خط السير الفاصل بين مؤشرين: إمبراطورية انحطت عام 1934، فارتكبت في العام 1952 تلك الفعلة التي جعلتها موضع تنديد عالمي: نفت الملك الذي كان حضوره نفسه يعطيها مظهرا شرعيا. خلال تلك السنوات العشرين، وعلى الرغم من ان مهمتي كانت في بعض الأحيان مسرة، كانت عبودية العمل تتفوق على عظمته.

لقد نزلت يوماً، في جو حار رهيب، في منطقة في الشادقة تسمى البرج، بين ظهراني قبيلة رعاة هي بني مسكين. هناك انهمكت في الترفيه عن نفسي خائضا غمار سباقات الخيل. وكنت اتبع كل سباق أخوضه بحمام من الماء المثلج. بعد ظهر كل احد، في مياه أم الربيعة. لكنني في تلك الأثناء كنت استشعر مرارة الوحدة في الأمسيات بالطبع.

وكان يحدث لي نهارا أن استولى بالنيابة رئاسة القبيلة. أجل وحدي وأنا في الثالثة والعشرين ولم يكن مضى على وجودي هناك أكثر من شهرين. فما الذي كنت اعرفه عن هؤلاء الناس؟ لا شيء تقريبا. وما الذي كان في وسعي ان افعله ان هم انتفضوا ضدي؟ لا شيء.. او لا شيء على وجه التقريب. في ذلك الجوار لم تكن سلطتنا الاستعمارية سوى شبح من الأشباح. والحقيقة ان «القائد» الذي كان من المفروض بي ان أسيطر عليه، كان هو الذي يتولى تعليمي.

كان جبارا عجوزاً، وكان يكفيه خلال الجلسات القضائية ان يهمس بعبارة قصيرة لكي يقطع دابر أكثر النقاشات ضراوة. وهو، بعد ان كان يستشيرني بنظراته، على سبيل الشكليات، كان يطلق حكمه الذي سرعان ما كان يضع حدا لكل المهاترات. هناك بعد ذروة التوتر كانت تحل نشوة ما.

أجل كان الأمر على تلك الشاكلة. فالواقع أن الجلسات القضائية كانت أشبه بالدراما النفسية: كان الشكاة يأتون ها هنا ليشاركوا في المسرحية التشريعية، لكن ذلك كان أفضل من حسم الأمور بواسطة البنادق والخناجر التي كان يحملها معظم المغاربة في ذلك الحين. وهكذا كان الجميع يغرقون أكثر فأكثر في لعبة الوعي المزيف والتضليل المتوافق عليه.

كيف كنت أنا أعيش في خضم ذلك؟

الحقيقة أنني لم أكن أعيش.. كنت أكتفي بالانتظار. في أحسن الأحوال، كنت استعد للعيش. أوليس هذا هو الشباب؟ «الشباب.. زمن الاحقاقات» كما قال مرة أحد أبطال المسرح؟ الحقيقة أنني في تلك الأثناء كنت أقرأ «المسافرون المطاردون» لمونترلان الذي لم أكف عن كراهيته منذ ذلك الحين، تصوروا شخصا يكون نفسه بنفسه، أو بالأحرى مراهقا أفلت من القتل، يتجول خلال أمسيات لا تنتهي في قصر قديم بمدينة فاس.

كان المبنى يضم خمسين غرفة وأروقة كثيرة وزوايا مظلمة وقاعات ذات أعمدة شبيهة بقاعات أوبرا تقدم «عايدة» وممرات وسلالم. ثم، حين كانت تفتح بعض الأبواب، كان صوت النهر يأتي صاخبا من تحت الدار. عند انتفاضة فاس في العام 1912، امتلأت تلك الدار بالجثث.

المهم أن الدار كانت لها أيضا واجهات ساحرة تغطيها دوالي العنب. في كل يوم، بعد انتهاء دوام العمل، كان يصل إلى المكان شخص لا أزال حتى اليوم أدين له بالكثير، هو سي محمد بني سعيد الكنابسي الذي كان مدرسا في جامعة القرويين العريقة، وكان يحمل تحت إبطه دائما سجادة صلاته الملونة، وأنا كنت أضع نفسي تحت إشرافه حتى ساعة متأخرة من الليل، منكبا على تفحص دراسة النصوص التشريعية ونصوص علم الكلام القديمة.

سي محمد، الذي كان أعيان المجتمع المديني قد طردوه من عمله في الجامعة، كان يستخدم مداخيله الهزيلة لإعالة أسرته الكبيرة العدد. ولقد زاد من طينه بلة أن انضم إلى اسرته حماه الجزار العاطل عن العمل. وعن هذا كان يقول لي متهكما «انظر ها هو الشيخ يعمل لإعالة الجزار!»

خلال النهار كان علي أن أقصر اهتمامي على مشاكل جماعات التجار والحرفيين، وكنت قد نظمت حركة تعاون وتسليف قائمة على أساس العلاقات الشخصية ووطدت لنفسي صداقات في أوساط كانت قلة من الأوروبيين قد عرفت كيف تصل إليها. ففي العام 1936 كان مجتمع مدية فاس مجتمع منغلق على نفسه كل الانغلاق.

وهي ظلت على حالها كليا بمعنى أن جمهرة سكانها كانت تتألف من المدينيين العريقين المتأنقين والعصبيين ذوي الوجوه النبيلة، لا ـ كما هي الحال اليوم ـ من جماهير اللاجئين إلى المدينة القادمين من الجبال أو من السهوب. إن عددا قليلا من الفاسيين الأصليين توجه اليوم ليعيش في المكان الذي كنا نسميه «المدينة الجديدة» والذي لم يكن يقطنه في الأصل سوى الأوروبيين.

في المدينة العتيقة، تلك المتاهة الرائعة القادمة من سحيق العصور، إن حدث لك أن سرت بين الناس متفرسا، سترى أن كل شيء على ما يرام، وذلك لأن كل الشرايين تلتقي عند المسجد الجامع الكبير ثم تتجه نحو النهر الذي يقطع المدينة ناحيتين: ناحية الاندلسيين، وناحية القيروانيين وهو قطع صار عمره أكثر من ألف عام.

أما طريق العودة فشأن آخر، وذلك لأنه إذا كانت كل الأزقة تتجه نحو المسجد، فإن الأزقة التي تنطلق من المسجد تعود وتتشعب بحيث أن المرء سوف يضيع حتما في طرق مسدودة. في مثل تلك الحالات، كنا نضطر إلى السؤال عن الطريق تحيط بنا نظرات الغلمان الساخرة المعادية. وفي الليل، كانت الأحياء تغلق أبوابها العالية، فإذا ما تأخر بك المكوث ورغبت في اجتياز الأبواب، سيتعين عليك أن تناقش وتجادل مطولا قبل أن يفتح لكل باب من الأبواب.

وهذا الانطباع سجله بيار لوتي في نحو العام 1880، فهو مر بالمكان في عهد حسن الأول بوصفه مراسلاً صحافياً.. وعرف كيف يصف وصفاً جيداً حياة تلك الأزقة أو حياة السطحيات التي كانت تنتشر تحت سماء صافية، تعلوها قبة الزلغ التي تتصدر شمال المدينة؛ أما في الأسفل فتعلو أصوات العصافير ولا سيما منها تلك التي يطلق عليها الناس اسم «ذكر الله».

لقد عشت هناك ثلاثة أعوام، وكانت حقبة عظيمة من حقب حياتي، وذلك لأنه كان أول احتكاك حقيقي لي بمدينة من مدن الإسلام.. وفي ذلك الحين بدأت أعمق معرفتي باللغة العربية وبالتشريع الإسلامي مستعينا بأساتذة محليين. لقد أدركت في فاس كيف أن تلك الحياة المغربية التي حولها الاستعمار إلى خليط متنافر، كانت تسير في الأصل تبعا لمنظومة محترمة.

كل الأمور فيها تنتظم إلى جانب بعضها البعض في تراتبية صارمة، حيث كان لكل عائلة تقريبا، ممثلون في الإدارات الثلاث في المدينة: إدارة التعليم والصلاة، إدارة التجارة، وإدارة الصناعات الحرفية. وإذا كان ثمة حقا أغنياء وفقراء، بائسون جائعون من جهة، و«فاسدون أغنياء رابحون» من جهة ثانية،

فإنهم، على السواء، كانوا ينتمون إلى كل العائلات معا.. كانوا قبضات من الجذور العمودية، لا جماعات مفروزة أفقيا. إذاً، فإن ما كان يطلق عليه في ذلك الحين اسم برجوازية فاس، لم يكن طبقة اجتماعية بقدر ما كان رهط من أهل المدينة.