قال الله تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً» (الأحزاب: 21)، وفي الوقت نفسه، حملت هذه البعثة النبوية للبشرية منهجاً جديداً في التربية، لتحدث ذلك التغيير الجذري في مستوى جزيرة العرب والعالم أجمع، وهنا لابد من القاء نظرة سريعة على ذلك المنهج التربوي الذي حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم لإصلاح شؤون البشر، والذي استطاع خلال فترة يسيرة أن يغير أحوال العالم ويُنقله من الخطر، إلى برّ الأمان.

بدأ الرسول الأعظم هذا المنهج التربوي منذ اللحظة الأولى لرسالته بربط هذا الانسان بربه الخالق، حيث مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يرسخ أركان الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فاستشرفت القلوب عظمة الله تعالى، وتغذت الأرواح بالعبادات التي تقرب العبد من الله،

ولم يزل الرسول يربي هذه الجماعة المؤمنة تربية دقيقة عميقة ليزدادوا كل يوم سمواً بأنفسهم، ورسوخاً في دينهم، ونضجاً في عقولهم، وتفانياً في طاعة ربهم، وآثروا متاع الآخرة، فعزفت نفوسهم عن شهوات الدنيا، فلم تبطرهم النعمة، ولم يشغلهم الفقر، ولم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فأصبحوا لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، وباتوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين أو الأقربين.

لقد اقتدى الصحابة برسولهم عليه الصلاة والسلام، فهو أسوتهم، اقتدوا به في قوله وعمله وأخلاقه، فكانت التزكية والطهارة من دنس الأقوال والأعمال والأخلاق، وهذه التزكية بينها القرآن الكريم واعتبرها واحداً من أهم أهداف بعثته (صلى الله عليه وسلم)، حيث قال الله تعالى: «هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين».