* عندما تنعدم الكفاءة بين الزوجين.. وترتفع حوائط شفافة لايكاد يراها واحد منهما.. ولكنها تفصل بين الكائنين فينقطع التواصل ويتعمق شعور الاغتراب.. هنا تحدث المأساة. هذا هو الموضوع المحوري لرواية «مدام بوفاري» وبطلتها التي شاء المؤلف أن يبقي على اسمها الزواجي رغم أنها ولدت باسم «إمّا» إشارة منه إلى أن مأساتها وقعت عندما تزوجت وأن أقدارها تشابكت وحياتها تعقدت حين دخلت بيت الزوجية.
فإذا بها تجد نفسها وسط حياة تسودها كآبة السأم وتغدو بلا طعم من فرط رتابة التكرار. الزوج طبيب نعم لكنه دكتور أرياف. مرهق دائما.. لا طموح يحركه إلى مستقبل، ولا هدف يدفعه إلى الأمام.. أين هذا كله من بركان الطموح وخيالات الفانتازيا وتهاويم الحياة التي ترنو إليها الزوجة الشابة التي يكاد يقتلها السأم والسخط والإحباط.. حياة المدينة حيث الصخب واللعب وحس المغامرة واللهو والتغيير وسخونة العواطف والرهان الذي لا ينقطع على اكتشاف المجهول.
في عام 1857 قرأ الفرنسيون رواية «مدام بوفاري» في مجلدين وأضاف إليها المؤلف عنوانا فرعيا يمكن ترجمته من أصله الفرنسي على أنه عادات اقليمية (نلمح تأثرا باسلوب اختيار عنوانين العنوانين للعمل الروائي عند واحد من رواد القصة ـ الرواية العربية الحديثة هو الدكتور حسين هيكل حين نشر روايته الرائدة عام 1914 إذ كان يدرس وقتها في باريس على النحو التالي: «زينب» مناظر وأخلاق ريفية.
تدور أحداث الرواية في اقليم نورماندي من أرياف شمال فرنسا حيث بيت الزوجية الذي دخلته «إمّا» بوفاري ولم تكن قد جاوزت الثامنة عشرة من عمرها ومن ثم تنتقل الأحداث بين هذا البيت المتواضع في قرية «توست» وبين بيوتات وسرايات فارهة تهرع إليها البطلة بحثا عن الثراء والعواطف الملتهبة والمتعة والمغامرة في مدن مجاورة أما زمن الأحداث فهو منتصف القرن التاسع عشر، وقد استغرق زمن الرواية وهي سنوات المأساة عدداً من السنوات.
* جوستاف فلوبير (1821 ـ 1880) نشأ في المنطقة الريفية التي اختارها فيما بعد مسرحاً لأحداث رائعته الروائية «مدام بوفاري» وقد حاول دراسة القانون في صدر شبابه لكن لم يواصل الدراسة بسبب اعتلال الصحة فكان أن كرس نفسه للأدب، وربما عوض فلوبير افتقاره إلى التعليم النظامي برحلات طويلة ومفيدة قام بها أولا على ضفاف نهر اللوار وعلى شواطئ مقاطعة بريتاني الشمالية، وقد وضع عن الرحلة تقريرا ممتعا لم ينشر إلا بعد وفاته بعنوان «عبر الغيطان والشطآن» .