لن يبدو المرء بعيدا عن الحقيقة إن هو اعتبر كتاب «الملل والنحل» للشهرستاني واحدا من الكتب المؤسسة في تاريخ الفكر الإنساني، عموما، والإسلامي خاصة، للكتابة الموسوعية الموضوعية حول تاريخ الديانات والمذاهب والأفكار في عالمنا الذي نعيش فيه، بل ان الكتاب، في بعض جوانبه يتجاوز هذا كثيرا، كما سنرى في السطور التالية.

لم يبدأ الزمن الموسوعي في الفكر الأوروبي بصورته الجدية والعلمية، إلا خلال القرن الثامن عشر. ليس معنى هذا انه لم تكن هناك موسوعات من قبل. لكنها كانت، إن وجدت، تفتقر إلى المنهج ناهيك بافتقارها إلى ما يلزم الموسوعات من حد أدنى من الموضوعية.

ومن هنا يمكن للمرء ان يقول بكل بساطة إن الفكر العربي، سبق العصور الأوروبية الحديثة، انتاجا للموسوعات واحتفالا بها. وفي هذا المجال يمكن طبعا الحديث عن عشرات الكتب والمجلدات التي اكتشفت أو يعاد اكتشافها. ومع هذا حسبنا أن تتحدث عن سفر واحد، حتى نبرهن على ما نقول، وهذا السفر هو كتاب «الملل والنحل» للشهرستاني.

والحال أن الاطلاع على هذا الكتاب اليوم، قد يفاجئ القارئ ويدهشه، إذ يجد نفسه وكأنه يقرأ عملا معاصرا من نوع ذاك الذي تضطلع بإنجازه، عادة، مؤسسات بحث ضخمة وبميزانيات مدهشة. ومع هذا علينا أن نتذكر أنه كان نتاج فرد واحد عاش بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر.

أما الكتاب نفسه، فهو موسوعة دقيقة متكاملة تتناول المذاهب والأفكار التي كانت معروفة منذ فجر التاريخ الانساني، وصولا إلى الزمن الذي عاش فيه الشهرستاني نفسه. وهو زمن كان يعيش من الصراعات والانشقاقات الفكرية ما يجعل المرء يتساءل حقا: من أين أتى الرجل، وسط ذلك المناخ، بكل تلك الموضوعية التي اتسمت بها كتابته.

هنا علينا ألا ننسى ان الكتاب وضع، أيضا، وسط مرحلة كانت تسمى بسالمرحلة الموسوعيةس في تاريخ الفكر الإسلامي.. ما يعني أن الكتاب لم يكن، على أية حال، فريد نوعه في هذا المجال. ثم أن علينا، هنا، أن نتنبه أيضا إلى أن الرجل لم يكن، حقا، حياديا، فهو بعد كل شيء، وهذا يلوح من ثنايا الكتاب، كان سنيا أقرب إلى الاعتزال، حتى وإن كان قد عف عن أن يدخل نزعته هذه في كل فصل مستخدما إياها سلاحا ضد خصومه.

إذا لم يكن حياديا لكنه كان موضوعيا بمعنى أنه رسم خارطة حقيقية للفكر العالمي ولتاريخ المذاهب والأفكار والشيع والطوائف. وفي النهاية هذا هو جوهر الكتاب حقا. ولكن إذا كانت الموسوعات تتميز عادة بكون المواد التي تعالج فيها تكتب بترتيب تاريخي معين، ما يجعل المذاهب والأفكار تبدو نابعة من بعضها البعض متتالية في الزمن، فإن الشهرستاني لم يتبع هذا الترتيب،

بل آثر يفرد لكل توجه عام جزءا من كتابه، يتولى في داخله دراسة تفرعات هذا التوجه، تاريخيا إذا أمكن ومن الواضح أن من بين هذه الأمور، العلمية أو الفكرية، التي دفعته إلى هذا، أنه كان مسلما ولم يكن ليسهل عليه بالطبع أن يؤرخ للإسلام، على اختلاف مذاهبه وتفرعاته، باعتباره حلقة في سلسلة متوالدة منذ فجر التاريخ حتى زمنه. من هنا، يتضح أن رغبته في تمييز الإسلام، هي ما دفعه إلى اتباع ذلك السبيل.

غير أن المهم، طبعا، يبقى المادة المكتوبة نفسها، وهي مادة تأتي في الجزء الأول من الكتاب مختصة بالإسلام، بعد خطبة الكتاب (أي مقدمته) التي يسهب فيها الشهرستاني متحدثا عن تقسيم أهل العالم وبيان ذلك، واصلا بعدئذ إلى كلام منهجي لافت هو عبارة عن «تعيين قانون يبنى عليه تعديد الفرق الإسلامية، وذلك كتمهيد نظري لدراسة هذه الفرق أو ما يسميه هو زكبار الفرق الإسلامية».

وهكذا، بعد تلك المقدمة، يتناول في ذلك الجزء ومباشرة بعد كلام عن «مذاهب أهل العالم» فرقا تبدأ، وهذا طبيعي لديه، بالمعتزلة، لتصل في نهاية الجزء، إلى «الباطنية» و«أهل الفروع» و«الجنتهديت» وأخيرا «أصحاب الرأي»®. وحتى هنا، على رغم موقف الشهرستاني الفكري، تبدو واضحة قدرته على التزام خط العلم في تحليله لتاريخ وفكر كل طائفة وفرقة.

في الجزء الثاني من «الملل والنحل»، يدرس الشهرستاني تباعا «الخارجين على الملة الحنفية» فأهل الكتاب، من اليهود الذين يقدم عنهم هنا أول دراسة متكاملة وجدية في تاريخ الفكر الإسلامي يبدأ بأن يشير إلى أنه إذا كانت (اليهود والنصارى) «من كبار أهم أهل الكتاب» فإن الأمة اليهودية أكبر «لأن الشريعة كانت لموسى عليه السلام، وجميع بني إسرائيل كانوا متعبدين بذلك، مكلفين بالتزام أحكام التوراة»،

معتبرا أن «الانجيل» النازل «على المسيح عليه السلام» لم يختص أحكاما ولا استنبط حلالا وحراما ولكنه أتى «رموزا وأمثالا، ومواعظ ومزاجر، وما سواها من الشرائع والأحكام فمحاكاة على التوراة كما سنبين» ثم يقول كيف أن «اليهود لهذه القضية لم ينقادوا لعيسى عليه السلام، وادعوا عليه أنه كان مأمورا باتباع موسى وبموافقة التوراة...» غير أن هذا الموقف لا يمنع الشهرستاني، حتى هنا، من أن يلتزم الموضوعية في بحثه لتاريخ اليهود وتاريخ انقساماتهم.

وهو نفس ما يفعله بالنسبة إلى تاريخ المسيحية (ويسميها العيسوية) دارسا كل توجه على حدة. وبعد اليهودية والمسيحية يدرس الشهرستاني المجوس والزرادشتية والثنوية والمانوية والمزدكية وغيرها ما يوصله إلى «حكم هومس العظيم» ثم أصحاب الهيكل، فالفلاسفة. وهذا إذ يصل إلى هذا القسم من كتابه، يغوص الشهرستاني عميقا وبشكل متميز في تاريخ الفكر الاغريقي، عبر دراسات لا يزال كثير منها صالحاً للدراسة وكمراجع حتى اليوم.

فهو هنا، وكما فعل ديوجين من قبله، يدرس أفكار الفلاسفة منذ الحكماء السبعة وحتى فرنوربولس، واحدا واحدا، بشكل علمي مدهش. والحال أن هذه الدراسة هي التي تقوده، في الجزء الثالث والأخير من الكتاب، إلى دراسة آراء وأفكار المؤلفين المسلمين، من عرب وغير عرب، من الذين جعلوا الفكر اليوناني مرجعا لهم (ولا سيما الفارابي وابن سينا) بيد أنه لا ينهي هذا الجزء، أو الكتاب كله، في الصفحات المئة الأخيرة منه،

إلا عبر إطلالة على عادات العرب وأفكارهم وحياتهم اليومية بشكل قد يبدو أول الأمر خارجا عن سياق الكتاب، لكنه سرعان ما يتبين أنه في صلبه خاصة وأنه ينطلق من ذلك الرصد الانثروبولوجي المعمق، إلى دراسة حكمة الهند وما شابهها وصولا إلى «عبدة الكواكب» وغيرهم، حيث يتبين لنا عمق الروابط بين هذه النزعات وبين العادات العربية القديمة التي كان عرضها لنا.

إن هذا كله، في الواقع، ما يصنع أهمية هذا الكتاب وبعده المرجعي، ويجعله صالحا لزمنه ولكن أيضا لأزمان اخرى، ومن هنا كان الترحيب به قبل سنوات، من جديد، حين أصدرت اليونسكو، ترجمة جديدة له إلى الفرنسية أعادته إلى الحياة وأعادت الضوء مسلطا على مؤلفه أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (1086-1152) الذي ولد بين نيسابور وخوارزم وعاش في بغداد ثلاث سنوات قبل عودته إلى بلاده لينصرف إلى الكتابة ويضع، إضافة إلى «الملل والنحل» كتبا كثيرة من أهمها «تاريخ الحكماء» و«نهاية الإقدام في علم الكلام».