تعيش الأمة الإسلامية في العصر الحاضر فترة عصيبة من تاريخها، إذ تتقاذفها الأمواج من كل الاتجاهات، وتكاد تعصف بها تيارات العولمة ومؤامرات الأعداء، في محاولة خبيثة لتشويه صورتها والإساءة إلى عقيدتها، الأمر الذي جعل الإعلام الدولي يلصق بالإسلام تهم العنف والإرهاب والدموية والعدوان.
وفي هذا الجو المشحون بالمفاهيم المغلوطة والأفكار الخاطئة بات من الضروري علينا أن نكشف عن قيم الإسلام الحقة وتعاليمه السمحة التي استظلت البشرية بظلها ونعمت بأمنها وأمانها قرونا عديدة من عمر الزمن.حول هذا الموضوع يقدم لنا المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية إصداره الجديد: «التسامح في الحضارة الإسلامية» تأليف: مجموعة من الكتاب.
في البداية يتحدث الدكتور محمود حمدي زقزوق مؤكداً أن التسامح الايجابي يعتبر من العناصر الأساسية في تعاليم الإسلام، وبالتالي من الأهداف التي ترمي إليها التربية الإسلامية.ومن هنا فإن التزام المسلمين بذلك وحمايتهم لحقوق أتباع الديانات الأخرى الذين يعيشون في المجتمعات الإسلامية أمر يدخل في إطار التزاماتهم الدينية التي تقضتي بالحفاظ والدفاع عن الحقوق الإنسانية العامة للجميع، وأي تجاوز أو عدوان على هذه الحقوق يعد تجاوزا وعدوانا على تعاليم الدين،
وهو أمر يجب على المسلمين التصدي له بكل الوسائل، وفي هذا الإطار يفهم أيضا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».ومن ثم فإنه ليس من التسامح في شيء الوقوف موقف المتفرج حيال الظلم والقسوة اللذين يتعرض لهما أي إنسان بصرف النظر عن جنسه أو لونه أو عقيدته.
ويذكرنا الدكتور زقزوق بأحد المأثورات الثابتة عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) والتي تعد نموذجا رائعا على التسامح الإسلامي الايجابي، فقد كان عمر يتجول كعادته في شوارع المدينة المنورة يتفقد أحوال الرعية، فرأى شيخا طاعنا في السن يتسول في الطريق، فسأل عن أمره وعلم أنه يهودي، فحزن الخليفة لما أصاب هذا الشيخ الهرم مما اضطره إلى التسول، وأمر أن يخصص له ـ ولنظرائه ـ معاش ثابت من بيت مال المسلمين يتيح له حياة كريمة.
وهذا الخليفة هو نفسه صاحب العبارة الشهيرة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا».ومن هذه الأمثلة ـ وغيرها كثير ـ يتجلى بوضوح حرص الإسلام على الدفاع عن حرية الإنسان وكرامته وحقوقه الإنسانية العامة بصرف النظر عن انتماءاته العرقية أو الدينية أو الثقافية، وذلك كله يعبر تعبيرا لا يقبل التأويل عن التسامح الإسلامي الذي سيظل عنوانا لهذا الدين إلى آخر الزمان.
* الدفع الحضاري!
وتحت عنوان: «الإسلام والجهاد» يشير الدكتور عبدالصبور مرزوق إلى الطلب الغريب الذي وجهته الولايات المتحدة إلى الدول العربية والمؤسسات الدينية في جميع أنحاء العالم الإسلامي بضرورة إعادة النظر في مناهج التعليم الديني، وحذف كل ما يتعلق بآيات الجهاد في القرآن أو السنة أو السيرة النبوية، من كل ما فيها من دعوة إلى الجهاد والتحريض على الاستشهاد في سبيل الله. لأن هذا ـ كما ترى أميركا ـ هو مصدر الإرهاب والعنف الذي تقول إنها نذرت نفسها لمحاربته!.
ويرد د. عبدالصبور على هذا الطلب الغريب، مؤكدا أن الجهاد في الإسلام ينطلق من رؤية مختلفة عما هو عليه الأمر في الحضارة الغربية، فالجهاد في الإسلام دفع حضاري لحماية الأرض من الإفساد، ولحماية معابد الديانات السماوية جميعا اليهودية والنصرانية والإسلام، من التدمير والخراب، الجهاد في الإسلام دفع حضاري لا صراع، وهذا ما يعبر عنه في الأدبيات الإسلامية بالدفع الحضاري من أهل الحق لأهل الباطل، ومن أهل الصلاح للمفسدين في الأرض.
الجهاد في الإسلام لم يشرع إلا لإقرار السلام على الأرض والتمكين منها لقيم السلام التي هي قيم الحق والعدل والخير والمحبة وحصول كل إنسان على حقه دون عدوان من الآخرين، وبهذا يتحقق السلام ويتم حماية الأرض والإنسان من كل فساد وإفساد.
وفي عصر ازدهار الدولة والحضارة الإسلامية كان السلام والأمن والعدل الاجتماعي واحترام حقوق الإنسان هو السائد والمسيطر، فلما كان زمان تراجع وانحطاط المسلمين ساد في الأرض الفساد وعمت المظالم والحروب التي يستغيث منها الإنسان ولا يزال يشقى بها إلى اليوم.
* باب الترفع!
وينتقل بنا الدكتور صوفي أبو طالب إلى الحديث عن الإسلام والآخر، موضحا أن الحضارات تختلف تبعا لاختلاف مصادرها، ومن ثم تتباين في مدى اعترافها بالآخر والتسامح معه، وعلى الرغم من دعوة كل الأديان السماوية إلى الأخوة الإنسانية ووحدة الدين بمعنى الانقياد لله رب العالمين والإيمان الكامل بوحدانيته إلا أن الله تعالى جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا في تطبيق أصول الدين وفروعه، فالإسلام كرم الإنسان ثم اعترف بالآخر،
أما اليهودية فهي خاصة ببني إسرائيل ومن ثم لا تعترف بالآخر، والمسيحية ولو أنها عالمية لا تفرق بين البشر إلا أن الحضارة الغربية في البلاد المسيحية فصلت بين الدين والدولة ولم تعترف بالحضارات الأخرى خوفا منها على ذاتها، ولما حققت التقدم المادي الكبير لم تعترف بالحضارات الأخرى في ظل الاستعمار الأوروبي والعولمة من باب الترفع عليها.
ويبيّن الدكتور صوفي أن الإسلام كرم الإنسان، وقد ظهر ذلك في العديد من الآيات القرآنية مثل قوله تعالى في سورة «الإسراء»: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}،
وقوله تعالى في سورة «التين»: {وقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}، وقوله في سورة «الأنعام»: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض}، وقوله في سورة «لقمان»: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض}.وظهر أثر تكريم القرآن الكريم للإنسان في عدة مجالات أهمها: الأخوة الإنسانية، وحدة الدين، حرية العقيدة، المساواة بين الناس.
* بلا حدود!
ويتوقف بنا الدكتور محمد عمارة في النهاية أمام موضوع السماحة الإسلامية، مشيرا إلى أنها تعني المساهلة واللين في المعاملات والعطاء بلا حدود، ودونما انتظار مقابل، أو حاجة إلى جزاء. وتعتبر السماحة في النسق الإسلامي ليست مجرد كلمة تقال، ولا شعارا يرفع، ولا حتى صياغة نظرية تأملية ومجردة، كما أنها ليست مجرد فضيلة إنسانية يمنحها حاكم ويمنعها آخر..
إنها هي دين مقدس، ووحي آلهي، وبيان نبوي لهذا الوحي الإلهي، وتجسيد وتطبيق لهذا الدين في دولة النبوة، وفي دولة الخلافة الراشدة، وفي التاريخ الحضاري للشرق الإسلامي منذ ما قبل أربعة عشر قرنا وحتى هذه اللحظات.بل لأن هذه السماحة ثمرة الدين الخالد والشريعة الخاتمة، فإنها ستظل منهاجا للإسلام والمسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وتتأسس السماحة الإسلامية على الرؤية الفلسفية للكون والوجود المحكومة بسنة التعدد والتنوع والتمايز والاختلاف، كقانون تكويني أزلي أبدي، الأمر الذي يجعل السماحة ضرورة لازمة وفريضة واجبة لبقاء قانون التنوع والاختلاف عاملا مرعيا في عوالم المخلوقات والفلسفات والشرائع والديانات والثقافات والقوميات والحضارات.
القاهرة ـ مصطفى علي محمود