كان سيد درويش يقف على ربوة عالية في قلعة قايتباي في الاسكندرية ويمد بصره إلى الأفق البعيد الغارق في زرقة البحر المتوسط وهو يحلم بعبوره إلى الشاطئ المقابل إلى إيطاليا مرددا في نفسه «الفن هناك.. متى أستطيع أن أعبر البحر لأتعلمه».
وتعلم العزف على العود في مدرسة إيطالية ليلية بالاسكندرية وأطلعه ذلك على أساطين الموسيقى الإيطاليين وأعمالهم الموسيقية الخالدة من التراث الأوبرالي الموسيقي. ولم يتحقق حلمه بالسفر إلى إيطاليا.
كان الشيخ سيد درويش على موعد مع قدر ثورة الشعب في عام 1919 وكانت الثورة على موعد مع صوت وألحان درويش التي عبرت عن إرادة شعب ثائر ضد الظلم والاحتلال.
إنفجار عبقرية سيد درويش لم يكن مصادفة وإنما كان «إرهاصة» شعب يهفو إلى الحرية وتتشكل رغم كل وسائل القهر ملامح شخصيته القومية وتنبت بداخله بذور الثورة والنهوض والكفاح ضد الاستبداد بمقدراته وقيمه ومثله. الحركة القومية المصرية هبت من جديد في العقد الأخير من القرن الـ 19 عندما وُلد سيد درويش وعاش طفولته تحت ظل «مأساة دنشواي» .
وصيحات الوطنية بزعامة مصطفى كامل ومحمد فريد وكان من الطبيعي أن تنصهر عبقرية الفتى الشيخ وينضج وعيه ووجدانه في جذوة اشتعال الوجدان الوطني. ووضع الشيخ يده على حقيقة بسيطة أن يجعل كل الناس يغنون أحزانهم وأحلامهم وثورتهم..
بل أصبح درويش نفسه تعبيرا عن هؤلاء الناس وأخفى تحت عمامته ثورة الفن الغاضب والرافض لكل أشكال الظلم وكانت الثورة هي الأتون التي انصهرت فيها عبقرية درويش لينطلق بصوته ليحيل الثورة إلى كلمات تلهج بها ألسنة وقلوب الشعب ولذلك قال الناس وقتها أن لثورة 1919 زعيمين سعد زغلول وسيد درويش.
وحتى قبل ثورة 1919 وعقب انتقاله للقاهرة نجح في أن يكّون ويجمع حوله مجموعة من الشعراء والزجالين والكتّاب والأدباء الوطنيين الثائرين.
ومع الثورة غنى درويش «قوم يا مصري مصر دايما بتناديك خد بنصري نصري دين واجب عليك» ثم أغنيته التي تحولت إلى نشيد مصر الوطني بعد ذلك «بلادي بلادي لك حبي وفؤادي» وهو النشيد الذي أطلقه درويش في غمار الثورة ورصاص الانجليز يطارد الثوار..
حارب الاحتلال بصوته وموسيقاه وفي كل موقع فعندما قبضت سلطات الاحتلال على ألوف العمال المصريين لكي يعملوا بالسخرة في مد خطوط السكك الحديدية التي تيسر انتقال جنود الاحتلال بين أقاليم مصر .
ودفعت بمن بقي منهم على قيد الحياة للعمل قسراً في البحرية الانجليزية أطلق سيد درويش لحنه الخالد الذي هز وجدان مصر «يا عزيز عيني وأنا بدي أروّح بلدي.. بلدي يا بلدي والسلطة أخدت ولدي». ومع عودة بقايا العمال غنى «سالمه يا سلامه رحنا وجينا بالسلامه».
وفي أحد أيام 1919 والثورة المصرية في عنفوانها واشتعالها حكمت السلطات الانجليزية على شاب مصري بالإعدام لأنه قتل ضابطا انجليزيا واهتز ضمير مصر بالغضب والسخط لأن الحكم صدر في نفس اليوم الذي قتل فيه الضابط الانجليزي.
والتنفيذ في اليوم التالي وكان صوت الثورة حاضرا في ألحان درويش وتفجر وجدانه الفني فأطلق أعذب وأحلى لحن لوداع الشهيد المصري على لسان أمه الثائرة «قولوا لعين الشمس ما تحماشي.. أحسن غزال البر صابح ماشي».
واتساقا مع وجدانه الثوري رفض درويش أن يغني في حضرة «صاحب الجلالة الملك فؤاد المعظم» في قصره وأمام الأمراء والوزراء لأنهم طلبوا منه حذف لفظ «سعد» (الزعيم سعد زغلول) من النشيد الذي أعده لاستقبال زعيم ثورة 1919 عند عودته من المنفى ويضع مكانه لفظ فؤاد فيغني «مصر وطنا.. فؤادها أملنا» بدلا من «مصر وطنا.. سعدها أملنا» .
ورفض مع هذا الرفض مئة جنيه كان سيتقاضاها من القصر نظير غنائه كما رفض أن يلقب «بمطرب الملك» وفضل أن يكون فقيراً ولكنه «فنان الشعب».
وعندما حظرت السلطات ذكر اسم الزعيم سعد زغلول من النشر في الصحف وفي وسائل النشر الأخرى والأغاني بعد نفيه إلى جزيرة سيشل تحايل سيد درويش لتحية زعيمه وتمجيده فغنى أغنيته الشهيرة «يا بلح زغلول.. يا حليوة يا بلح.. يا بلح زغلول» ورددت مصر معه الأغنية.
* فنان الشعب
في القاهرة انطلقت عبقرية الشيخ سيد في مسارح جورج أبيض وسلامة حجازي وأحدث الهزة الأولى في ساحة الغناء والطرب بألحانه في أوبريت «فيروز شاه» لفرقة جورج أبيض وانضم إلى نجيب الريحاني وبديع خيري ليعمل في فرقتهما المسرحية كملحن ومؤلف موسيقى لكل ما يقدمه الريحاني من اسكتشات غنائية ومواقف مغناه من مسرحياته.
وإذا كانت تلك العبقرية قد تجلت في انحيازه واختياره طواعية للوقوف في صف فئات الشعب المختلفة من الطوائف وأصحاب المهن من أبناء مصر فقد وضع في فم كل فرد وفي أسماعه أغانيه التي تخاطب واقع حياته حتى أطلق عليه «فنان الشعب».
وكانت الطوائف في مصر كلها في عام 1917 تغني للشيخ سيد ما يشبه النشيد اليومي الوطني عن «الحلوة دي قامت تعجن في الفجرية» و«الأسطى عطية».. رمز كل عمال مصر الذي يصرخ فيها قائلا : «صبح الصباح فتّاح يا عليم والجيب مفيهش ولا مليم.. مين في اليومين دول شاف تلطيم زي الصنايعية الملاطيم».
وينقل الشيخ سيد هذا الانحياز وهذا الاختيار إلى خشبة المسرح في أول رواية لحنها لفرقة الريحاني وهي مسرحية «ولو» عام 1918 فيقدم أروع ألحانه الحية النابضة عن «السقايين» قائلا «يهون الله.. يعوض الله.. على السقايين.. دول شقيانين».
ويستعرض في أغنية «الجلل الجناوي» حال الفلاح المصري وأرضه التي كانت تهددها البنوك والرهونات والديون قائلا «مليحة جوي الجلل الجناوي.. رخيصة جوي الجلل الجناوي.. جرب حدانا وخد جلتين خسارة جرشك وحياة ولادك.. في اللي ماهوش من طين بلادك.. شوف البلاوي دا البنك ناوي.. يرفع دعاوي علينا واحنا متجندلين».
*موت وإهمال
لم يكن القدر رحيما بالشيخ سيد درويش ولم يمهله وهو الصوت الذي قاد بفنه وألحانه ثورة 1919 أن يكون في شرف استقبال زعيمه سعد زغلول من المنفى فقد مات يوم العودة في سبتمبر 1923 عن عمر لم يناهز الـ 31 عاما وفي الوقت الذي كان الشعب يغني ألحان الشيخ سيد في استقبال زعيم الثورة كانت روحه قد صعدت إلى بارئها ولم يشعر بموته أحد..
فهذا العبقري حملوه إلى مثواه ولم تحتفل به الدولة ولا الصحافة بل أن المؤتمر الأول للموسيقى العربية والشرقية الذي عقد في القاهرة في منتصف الثلاثينات تجاهل تكريم الرجل الذي أحدث الثورة الحقيقية في الغناء العربي في القرن العشرين وحرره من القصور والإسفاف .
ومن أسوار الحريم وإذا لم يكن تكريمه بعد وفاته لم يأت من وطنه وقتها فقد جاء من أوروبا فقد خلده النمساويون والإيطاليون وضموه إلى أسماء الموسيقيين الخالدين لأنه سبق مشاهير الملحنين وقتها إلى الموسيقى والألحان الغربية مثل السامبا والفالس والتانجو.
لذلك قال عنه الموسيقار رياض السنباطي «لا عبدالوهاب ولا زكريا ولا القصبجي ولا أنا فعلنا شيئا بعد سيد درويش إنه أستاذنا جميعا».
وقال عنه الموسيقار محمد عبدالوهاب «قبل سيد درويش لم نكن نسمع عن شيء اسمه ملحن إن سيد خلق للملحن المصري الشخصية الملكية. سيد لحن لأصوات المطربين ولأصوات الشعب ونحن لا نزال نعيش في خيره فهو الأستاذ الأكبر لهذه المدرسة التي نعيش فيها».
وكتب توفيق الحكيم يصف عبقريته ودوره في التجديد والتطوير قائلا : «إن التجديد عند سيد درويش كان شيئا متصلا بفنه ممزوجا به لا حيلة له فيه كان شيئا يتدفق من ذات نفسه كما يتدفق السيل الهابط من القمم».
واحتفى المفكر الكبير عباس محمود العقاد بالشيخ سيد درويش وقال «أنه أدخل عنصر الحياة والبساطة في التلحين والغناء بعد أن كان هذا الفن مثقلا كجميع الفنون الأخرى بأوتار من أسجاعه وأوضاعه.
وتقاليده وبديعياته وجناساته التي لا صلة لها بالحياة فيجيء هذا النابغة سيد درويش الملهم لكي يناسب بين الألفاظ والمعاني وبين الألحان والحالة النفسية».ترك سيد درويش تراثا موسيقيا رائعا تجسد في 20 أوبريتاً من أهم كنوز الموسيقى العربية وضعها في 6 سنوات فقط.
عادل السنهوري