كيف كانت الحياة اليومية للبدوي المسلم في نظر الرحالة الغربي، ولماذا رموه بالتعصب والتطرف والنزق وضيق الأفق، والافتقار إلى التحضر، ولماذا أعطى الكثير منهم رأيه في جملة من القضايا والاعتقادات التي تخص هذا البدوي.

وترسم صوراً حسب أهوائهم، وإعطاء العديد من تلك الصور المختلقة خيالياً وسردها على أنها تمثل نماذج عن الحياة داخل الأسرة الإسلامية، بعدها لعبت الغرائبية المتجذرة في اللاوعي الغربي، في فبركة وتكوين وتلوين مسبق لتلك الصورة المولودة في خيال الرحالة نفسه أساساً وهي مشوهة.

إحقاقاً للحق فإن بعض المفكرين ـ وهم قلة على أية حال ـ من أمثال (آلان ALAIN) انتبهوا لهذا الخلل وكتبوا مفندين الادعاءات الاستشراقية والاثنوغرافية وكان آلان يهزأ جداً من علماء الاجتماع ومن افتقارهم لأبسط مستويات النقد الذاتي، وبالأحرى جهلهم للفكاهة والهزل وهذا (المطب) وقع فيه الكثير من الرحالة الأجانب الذين كتبوا عن البدو والجزيرة العربية بصورة خاصة.

وكان يقول على سبيل المثال: «لو كتبتُ مخاطباً قلمي: يا قلمي العزيز و وجد هذا الكتاب بعض علماء الاجتماع لنَسَبَ إلي (الإرواحية) ولقال إني أرى في قلمي إلهاً صغيرا. إلا أن أمثال آلان كانوا قلائل وانفتح المجال لبعضهم ليبني العلم على الدجل و التزوير».

لقد ظل علم الاجتماع بكل فروعه في معظمه متمحوراً حول المجتمعات الغربية (كنموذج مثالي)، تقاس بقية المجتمعات عليه، بينما كان ينبغي على علم الاجتماع أن يبقى خاضعاً أساساً إلى المقارنة التي لها آدابها وطرقها وشروطها والتي لم تبدأ السيطرة عليها إلا في الوقت الراهن.

إن الإشكالات الصورية التي تعود إلى هذا الخلل المنهجي كثيرة وغريبة، وهي ناتجة عن غرور الباحث. (وفي حالة الرحالة الغربي) الذي يعدّه أقرانه عالماً بهذا العالم الذي يكتب عنه.

وذلك نتيجة الانبهار الأوروبي خاصة بكل ما يكتب عن الصحراء وإنسان الصحراء. وما تفعله الغرائبية المتجذرة في اللاوعي الغربي، في فبركة و تكوين وتلوين مسبق للصور، التي يقدمها الرحالة لقرائه. وهناك الكثير من الباحثين الغربيين، (أو من تلاميذهم المخلصين في العالم العربي و الإسلامي).

يبحثون فقط عن الجزئيات وعن التفاصيل والأحداث التافهة، التي قد تكون بمثابة العلة لعدم وجود ما التمسوه في المجتمع الإسلامي وكأنما المجتمعات لا يمكن لها أن تكتمل إلا إذا ماشت واحتذت فقط الواقع الغربي، بحيث يصبح أي مجتمع غير منظم حسب النسق الغربي كأنه مبتور ومنقوص ومشكوك حتى في إنسانيته (بدائي)، فلا تراهم يتكلمون مثلاً عن الأمم والشعوب الإسلامية.

ولكنهم يستعيضون عن ذلك بالحديث عن العشائر والقبائل ( (Peuplades Tribus ولا عن القيم الأخلاقية الإسلامية، ولكن عن العادات(Coustumes) ولا عن الإيمان الإسلامي وإنما عن المعتقدات (Croyances) ولا عن الفن الإسلامي وإنما عن الفلكلور.

فحياة المسلمين اليومية في نظر الرحالة الغربي، غير طبيعية، إذ هي تخضع دوماً وبصفة لا مناص منها، لمقاييس التعاليم الدينية، دون أن يتعمق في فهم حقيقة هذه التعاليم أو مغزاها أو طبيعتها.

بل أغلبهم يتكلم عنها كطقوس، تلك التعاليم التي سيطرت على حياة هؤلاء (البدائيين)، بحيث لم تْبقِ لهم أي إمكانية للتصرف الحر حيالها، فهم يتصرفون (كما تراهم عين الرحالة) في جميع أقوالهم وإحساساتهم وتصوراتهم حسب ما دونه الفقهاء .

وما قرره أئمة الفكر عندهم، فلا يتحركون إلا طبقاً لهذه التعليمات التي تفننت في تقنين جميع أنواع السلوك البشري سواء ذلك على المستوى الفردي أم الجماعي أم كان ذلك على صعيد الفكر أم في مستوى التعايش الاجتماعي أم المعاملات الاقتصادية أم العلاقات السياسية، بحيث قسّمَ هذا الكائن (البدائي) ـ حسب ما يزعم الرحالة ـ العالم من حوله إلى عالم (مؤمن) وعالم (كافر).

وهم يبالغون في كتاباتهم في تحريف الواقع، ولا نجد فيما يكتبون أي محاولات جادة لفَهم تلك التعاليم المنبعثة من روح الإسلام، بل هم يهتمون فقط بالعادات والتقاليد والطقوس والمعتقدات، خاصة الغريب منها والبعيد بالطبع عن حقيقة الإسلام، بل وإبراز العادات المرذولة والشاذة على أنها من عادات هذا المجتمع المسلم. فنرى مثلاً كلود ليفي شتراوس Claude levy Strauss الأنثروبولوجي المعروف، يجهل كل شيء عن الإسلام وعن المسلمين.

إلا أن ذلك (ونأخذه هنا كمثال على الأكاديمي الذي ينبغي أن يكون أكثر تحفظاً ومنهجية ودقة من الرحالة) لم يمنعه في كتابه بؤس المدارين Tropiques Tristes من أن يشن هجمات عنيفة على الإسلام والمسلمين، فيقول:

«إن الإسلام دين يرتكز على عدم قدرته على ربط الصلات بالنماذج أكثر مما يرتكز على بداهة الوحي، فإذا قارنا بينه وبين الرفق الكوني عند البوذيين وإرادة الحوار عند المسيحيين فإن التعصب الإسلامي يكتسي صبغة غير واعية عند من يقترف هذه الجريمة.

الحقيقة أن مجرد الاتصال بالكفار يقلق المسلمين لأن مشاهدة أنواع جديدة من أساليب الحياة تعكر صفو أساليب حياتهم التقليدية، إذ يستحيل عليهم أن يتحملوا وجود الغير كغير، ولم تبق لهم إلا طريقة واحدة لحماية النفس من الشك والمذلة .

وهي أن يعتبروا الآخرين (عدماً) فالمسلمون غير قادرين على أن يعتقدوا بإمكانية وجود إيمان يخالف إيمانهم أو سلوك فائق على سلوكهم، وما الأخوة الإسلامية إلا نقض للغير بنفي الكفار دون أن يكون ذلك بالاعتراف الصريح إذ الاعتراف الصريح بذلك النفي لو تم لأدّى إلى الاعتراف ضمنياً بوجودهم».

وهو كما نلاحظ قاصر من أساسه فهو يدل على أن قائله ليسَ فقط لم يتعمق في فهم الإسلام كعقيدة حضت على التسامح بل وحمت وشرّعت تشريعات لحماية ذوي الأديان الأخرى، وأساس الدعوة إليه الحوار الحضاري البّناء، بل ولم يعايش في حياته ربما مجتمعاً مسلما، وإن لم ير فيه معظمهم (رحالة وأكاديميين أنثروبولوجيين) إلا مجتمعاً قائماً على الازدواجية، وفيه الكثير من الانحرافات غير الظاهرة للعيان كشفتها فطنتهم هم فقط .

لقد ركز الكثير من الرحالة الغربيين في كتاباتهم على هذه النقطة، وهي ما يعرف بنفي الآخر، و ذلك لأن الإسلام هو دين تعصب، ينشأ المسلم منذ نعومة أظفاره على هذا التعصب المقيت، وعدم قبول الآخر.

مسألة أخرى اهتم بها هؤلاء الرحالة. ولا تكاد تخلو أي رحلة من رحلاتهم بين العَرب أو البدو إلا وتطرقوا إليها وذكروها، وهي مسألة الإيمان بالقضاء والقدر عند المسلمين.

كتب غوبنو GOBINEAU قطب النظريات العنصرية التي تبنتها النازية والفاشية والتي لا تزال إلى اليوم مصدر التمييز العنصري عند بعض البيض، وخاصة في جنوب أفريقيا، كتب دراسة عن الأديان والفلسفات في آسيا الوسطى قائلاً:

ليس هناك دين أقل اكتراثاً بإيمان الناس كالإسلام، ماذا يعلم القرآن؟ أن الاعتراف بالحقيقة لا يتوقف بحال من الأحوال على إرادة الإنسان بل على إرادة الله وحده فهو وحده الذي يهدي ويضل بمشيئتِه المغلقة، ولذا فإن القاعدة تقول ألا يكره المسيحيون ولا اليهود على تغيير دينهم.

لقد كان غرض الكثير منهم من إثارة هذه القضايا و غيرها، وتفسيرها حسب أهوائهم، إعطاء صورة مشوهة عن الحياة داخل الأسرة الإسلامية ولعل ذلك كان بقصد إثارة اهتمام المستعمرين الذين ـ طالما حاولوا انتهاك حرمة المجتمعات الإسلامية فوجدوا الأسرة وما فيها من تقاليد إسلامية عريقة وتعاليم دينية سمحة.

وما بنيت عليه من احتشام وحياء وعفة وطهارة تحول دون المسخ والاغتراب و بقيت حياة المسلم عصّية على تدخلهم، وخاصة داخل أسرته، فكانت بمثابة أمر غامض مبهم بالنسبة إليهم، وحين عجزوا عن معرفة حقيقة واقع الأسرة الإسلامية.

وبعد أن استحال عليهم النفاذ إليها بطرق أخرى، لم يجدوا في نهاية الأمر إلا ما كتِب في مؤلفات الفقه،فقرأوها قراءات خاطئة وفسروها تفسيرات تكاد تكون مضحكة لسذاجتها، فإذا ما تعرض ـ على سبيل المثال ـ صاحب حاشية فقهية إلى زواج الكهل ببنت رضيع، أو تكاد.

وبنى بها، ظنوا أن الإسلام يبيح ذلك، مكتفين ربما بالعنوان فقط، فيكتفون بتصديق هذه الصور، ويعتبرونها الواقع نفسه ويتخذون منها المدخل المفضل لفهم مؤسسة إسلامية مهمة وهي الأسرة إضافة إلى التعميمات الاختزالية، استشهادهم بالخرافات والحكايات المتداولة لتسويغ فهمهم والوصول إلى الغايات التي يريدون الوصول إليها.

إعداد: عمار السنجري