عند بداية عشرينات القرن العشرين، كان الكاتب الأميركي الكبير ارنست همنغواي (1899-1961) لا يزال صحافياً شاباً لم يعرف مجده الكبير كروائي فذ بعد. كان في ذلك الحين يعمل في الصحافة.
ويجول حول العالم مراسلا لصحف عدة من بينها الصحيفة الكندية «تورنتو ستار». ولقد أوصله تجواله هذا إلى الشرق الأوسط، وخاصة إلى اسطنبول (القسطنطينية) التي وجد نفسه فيها عشية دخول قوات مصطفى كمال إليها. ومن هنا هذه المشاهدات التي يسجلها قلمه الراصد، كما يسجل المرء حلما وكابوسا في آن معا. ومن هنا وصفه لبعض سمات حياة المدينة.
في الصباح حين تستيقظ من نومك وتشاهد الغمام كثيفا فوق القرن الذهبي، وسط منارات مشرئبة ورهيفة منطلقة نحو السماء وصوت المؤذن يدعو المؤمنين إلى الصلاة بصوت يعلو ويهبط مثل أغنية في أوبرا روسية.. معنى هذا أنك تعيش وسط سحر الشرق.
بعد ذلك حين تبتعد من النافذة وتواجه مرآة لتكتشف ان وجهك بات ملطخا بالعديد من البثور الصغيرة الحمراء التي تسببت بها اخر حشرة تمكنت من ملاحظتها في الليلة السابقة.. فإن هذا معناه أيضا أنك في وسط الشرق.
إن في الإمكان أن يكون ثمة حل وسط بين الشرق كما هو مروي في حكايات بيار لوتي وبين شرق الحياة اليومية، بيد أن من الصعب اكتشافه إلا من قبل رجل ينظر وعيناه نصف مغمضتين باستمرار، رجل لا يأبه كثيرا بما يأكل، ولديه حصانة تقيه من الحشرات.
لا أحد يعرف العدد الحقيقي لسكان القسطنطينية.. أو القسطان، وهو الاسم الذي يواصل كبار السن إطلاقه على اسطنبول.. والأمر هنا يشبه اعتبارك أبله إن لم تطلق على جبل طارق اسم جب. مهما يكن فإنه ليس ثمة حتى الآن أي إحصاء حقيقي لعدد سكان اسطنبول.
بيد أن التقديرات المختلفة تتحدث عن رقم وسط هو مليون ونصف المليون نسمة، غير أن هذا الرقم لا يشمل المئات من سيارات فورد الملأى بالناس، ولا الأربعين ألف لاجئ روسي من أصحاب البزات العسكرية، أي مجدي الجيش القيصري السيئي الحظ الذين تطاولهم الهزيمة تلو الأخرى ولا يجدون من الفرار إلى اسطنبول.
كما أنه لا يشمل العدد نفسه تقريبا من جنود مصطفى كمال بثيابهم المدنية من الذين تسللوا إلى هنا قصد تأمين سيطرة الغازي على هذه المدينة، مهما كان من شأن ما سوف تسفر عنه مفاوضات السلام.. غير أن هذه الأرقام كلها دخلت حيز التقديرات الإجمالية الراهنة.
إن لم تمطر في «قسطان»، فإن الغبار يصبح من الكثافة إلى درجة أن كلبا يتجول على سجيته في الطريق الموازية لهضبة بيرا، سيكون من شأنه أن يثير عاصفة من الغبار تماثل تلك التي قد تثيرها كرة ترمى، من كل مرة لامست فيها التربة واحدة من قوائمه.
يصل الغبار حتى كاحل المرء.. أما الريح فكفيلة بأن تحوله إلى إعصار. أما إذا أمطرت، فإن هذا كله سوف يتحول إلى وحل. والأرصفة هنا هي من الضيق بحيث أن الناس لا يمكنهم السير إلا على الطرقات نفسها.. وهذه الطرقات تتحول في مثل هذه الحال إلى نهر.
وبما أن ليس ثمة بعد أية أنظمة للمرور هنا، فإن العربات والقطارات الكهربائية والسيارات والحمالين يسدون درب بعضهم البعض بحيث تنسد كل وسيلة للعبور فجأة. وليس ثمة في اسطنبول سوى شارعين كبيرين، أما الباقي كله فلا يزيد عن كونه أزقة. بيد أن الشارعين الكبيرين أنفسهما يبدوان في نهاية الأمر أشبه بالأزقة.
ديك الحبش هو الوجبة القومية في تركيا. وهذه الطيور قبل أن تذبح لتؤكل تعيش وجوداً في منتهى الضيق إذ تمضي وقتها في مطاردة أسراب الجراد فوق هضاب آسيا الصغرى الجافة..
وهي في العادة تكون خلال الطراد على إقدام يكاد يماثل إقدام حصان السابق. وللمناسبة لابد من التذكير هنا بأن لحم البقر سيّيء الطعم في اسطنبول لأن الأتراك لا يملكون، عمليا، قطعان ماشية جديرة بالاعتبار. أما قطعة «الفو فيليه» إن وجدت فإنها ستكون اخر نجل لظهور الجاموس الأسود، الهزيل ذي العيون الهزيلة، والتي تملأ الأزقة جارة العربات، وإما غنيمة أحدث هجوم شنه الفرسان الكماليون.
أما بالنسبة إلي، فإن عضلات فكي بدأت تهترئ مثل فكي كلب «البولدوغ» لكثرة ما مضغت ومضغت اللحم التركي. السمك هنا جيد، لكن السمك معروف بأنه غذاء للعقل.. ومن هنا فإن أي شخص يتناول ثلاث وجبات من السمك متتالية، ويكبر بالتالي عقله، سوف يبارح من فوره، اسطنبول هذه، ولو اضطر لفعل ذلك سباحة.
في قسطان هذه، ثمة مئة وستون يوم عطلة رسمي. فكل يوم جمعة هو يوم عطلة للمسلمين. وكل يوم سبت هو يوم عطلة لليهود، وكل أحد يوم عطلة للمسيحيين..
ثم إن هناك أيام أعياد للكاثوليك والمسلمين واليونانيين خلال أيام الأسبوع، من دون أن أتحدث عن «يوم الغفران» وغيره من أعياد اليهود. ومن هنا ندرك كيف أن الطموح الأعظم لشبيبة اسطنبول كلها، هي أن يعمل الواحد منهم في مصرف، وبالتالي يتمكن من تعطيل أيام الأعياد والعطل كلها.
في اسطنبول لا يقدم أي شخص يزعم أنه يعيش عادات المدينة وأعرافها، على تناول عشائه قبل التاسعة مساء. والمسارح هنا تفتح أبوابها عند العاشرة على أدنى تقدير، أما علب الليل فتبدأ نشاطها بعد الثانية فجرا، أو هذا ينطبق على الأقل على علب الليل التي تحترم نفسها. أما تلك العلب الأخرى، السيئة السمعة، فإنها لا تبدأ نشاطها قبل الرابعة صباحا.
وطوال الليل تبقي أكشاك المقانق الحارة والبطاطا المقلية والكستناء المشوية مواقد فحمها مشتعلة على الأرصفة، قصد تغذية تلك الصفوف الطويلة من الحوذيين الذين ينتظرون الليل بطوله لكي يقيض لهم أن ينقلوا الركاب اللاهين من مكان إلى آخر.
أن كل هذا يجعل الأمور تبدو وكأن القسطنطينية ترقص رقصة موت أخيرة، قبل وصول الغازي مصطفى كمال باشا، الذي كان أقسم على منع الكحول والقمار والرقص وعلب الليل. أما منطقة غالاخا، الواقعة على سفح تلك التلة الصاعدة انطلاقا من مرفأ المدينة، فإنها تبدو مبالية بذلك كله أكثر من غيرها بالنظر إلى أن فيها سوقا للهوى هي الأسوأ والأقذر والأكثر إثارة للرعب في كل تلك المنطقة من العالم.
وهذه السوق قائمة هناك بلونها الشاحب وروائحها القذرة تلقي بشباكها في كل حين لكي تصطاد الجنود والبحارة التابعين لكل حلفاء العالم ولكل أمم الكون. أما الأتراك أنفسهم فإنهم يكتفون بالجلوس طوال الوقت على مصطبات المقاهي الصغيرة المنتشرة في أضيق الأزقة، منهمكين بأخذ أنفاس متلاحقة من أراجيلهم وبشرب الخمر المحلي.
. وهو، لمن يجربه، خمر قوي جدا ومسم جدا، قادر على حرق المعدة، إنه أكثر قوة بكثير من الأبسنت ما يستدعي حين شربه ضرورة تناول بعض المازات الخفيفة معه وإلا سيحدث ما لا تحمد عقباه.
أخيرا، قبل أن تقرر الشمس أن تشرق، تقرر أنت ان تقوم بجولة هادئة في أزقة اسطنبول السوداء الصغيرة، لكنك سرعان ما ستجد أن الجرذان تحيط بك من كل جانب.
وستجد أيضا كلابا تفتش في صناديق القاذورات عن بقايا اللحم والعظم، وسترصد من فتحة صغيرة في شباك شعاعا من الضوء يتسرب بفعل شق الأباجور موصلا إليك أيضا أصوات ضحكات سكرى.
بيد أن هذه الأصوات تبدو متناقضة كليا مع الصوت الجميل الذي يطلقه المؤذن الداعي إلى صلاة الفجر، برنته الحلوة الحزينة التي تصدح كأغنية مهد حقيقية، ما يضفي على أزقة اسطنبول العتمة هذه، عند أول الفجر، كل سمات واقع سحر الشرق الذي كثيرا ما كنت سمعت عنه.
