فرض التحديث نفسه على مسار عمارة المسجد الإسلامي، فمع المعرفة المتزايدة بتقنيات البناء الحديث من ناحية واللجوء إلى إعادة تخطيط المدن من ناحية أخرى، أخذت طرز المساجد الحديثة في اكتساب سمات وأبعاد معمارية لم تكن معروفة من قبل.

فقد أدى الاعتماد على البناء بالأسمنت المسلح إلى وجود مرونة أكبر في إعطاء أشكال غير نمطية للمساجد، ولاسيما على صعيد توسعة المساحات المتاحة لقاعات الصلاة حتى باتت تخلو تقريبا من الأعداد الكبيرة للأعمدة والدعامات التي كانت تحمل عقودا ترتكز عليها الأسقف.

وترافق ذلك المنحى الجديد مع رغبة الحكومات عند تخطيطها للمدن الحديثة في أن توفر لكل حي مسجدا أو أكثر، وأدى الانتشار المنتظم لمساجد الأحياء إلى نمو ملحوظ في أعداد المساجد، فيما ندرت محاولات إنشاء المساجد الجامعة الفسيحة، والتي لا يقدر على تمويل تشييدها سوى الحكومات وهيئات الأوقاف الإسلامية وثلة من الأثرياء المسلمين.

لقد غيرت هذه الأوضاع العمرانية من أصل العلاقة الفلسفية بين المسجد وعمران المدن، ففيما مضى من القرون السابقة كان «المسجد الجامع» هو نواة التخطيط للمدينة بل ومركزه الذي تتفرق حوله الأخطاط أو الأحياء بمساجدها الصغيرة.

ومن ثم توفرت لهذه المساجد الجامعة مساحات هائلة قياسا بعمران المدن الإسلامية، حتى وجدنا أنفسنا أمام مساجد تصل في مساحتها الى ما يعادل عمران حي صغير بأكمله، مثلما نرى في جامع «سامراء» بالعراق وجامع «أحمد بن طولون» بالقاهرة ومسجد «قرطبة الجامع» بالأندلس فضلا عن مساجد هندية شتي وأخرى في إيران وأواسط آسيا.

وفي هذا النوع من المساجد الجامعة الشاسعة جرى إنضاج عبقري لتخطيط المسجد الجامع المستمد من المسجد النبوي بالمدينة المنورة، حتى صار هذا التخطيط عنوانا على مدى توافق العقيدة الدينية مع فلسفة البناء.

وحسبما يذكر الأثري الفرنسي الراحل جاستون فييت Gaston Wiet فإن الخطة العامة للمساجد جاءت متماشية تماما مع وضوح العقيدة الإسلامية، وبساطة أركانها وخلوها تماما من الأسرار ومن أي نوع من التعقيد في طقوس العبادات.

لقد كان هناك ـ حسب فييت ـ علاقة ما بين الجو الذي يشيع داخل مسجد ذي عمد وبين حدائق النخيل ذات الهيئة الشديدة التناسق في أحيان كثيرة، ذلك أن غابة النخيل، شأنها في ذلك شأن المسجد، إنما هي غابة بدون أسرار والأعمدة ذات القامات المنسرحة المتماثلة تماثلا شديدا تخترق الجو المحيط بها دون أن تنشر فيه الظلام.

وعلى النقيض من فلسفة البناء الضخم للكاتدرائيات المسيحية أو المعابد البوذية فإن المسجد يقوم منبسطا على الأرض رمزا للوقار والإخلاص والشجاعة الهادئة.

لقد استمد الجامع مكانته في العمران الإسلامي من بساطة الاتساع وهو ما منحه أصالة لا سبيل لإنكارها، فهو لم يحاك دور العبادة الأخرى التي تميزت في كل أرجاء الدنيا بأنها منشآت ضخمة ذات جدران متطاولة وقاعات داخلية خافتة الإضاءة، تنيرها على الدوام الشموع أو القناديل لتضفي عليها أجواء من الرهبة والغموض.

لم يلجأ فن المساجد المعماري إلى ما درجت عليه منشآت الأديان الأخرى من توظيف فراغات وكتل دور العبادة من أجل الضغط على قلب المصلي وعصره، من أجل إخضاعه للكهان الذين يستعينون في صلواتهم بالبخور والأضواء المبهمة والأناشيد والموسيقى والكلام المحمل بمعان فلسفية غامضة.

أما العمران الحديث فقد افتقد المساحات المنبسطة، وباتت المساجد محصورة في مساحات خصصت لها في إطار تخطيط المدن وتبعا للتوزيع السكاني في أحيائها.

وأدى إحساس المعماريين بالخطر من هيمنة عمائر المدن المرتفعة الهامات، قياسا بالمساجد المؤلفة من طابق واحد، الى الإندفاع نحو محاولة التغطية على صغر الامتداد المساحي لها، بالمبالغة في تضخيم البنيان.

وذلك جريا على عادة الأوروبيين عند إنشاء الكنائس، فزادوا من سمك الجدران دون مقتضى إنشائي أو وظيفي وتطاولوا بها غير عابئين باختلال النسب البين بين الكتل والفراغات، بل وراحوا يعتمدون على تغطية قاعات الصلاة بالقباب من كل الأنواع عوضا عن الأسقف المستوية المسطحة.

. لعلها بارتفاعها تطفو بعمران المساجد فوق هامات الأبراج السكنية الحديثة المحدقة بها. وزادت بالتبعية إرتفاعات المآذن بل وربما تعددت مآذن المسجد الواحد الصغير بصورة تبدو شديدة المبالغة أو التبذير.

إن عدم إدراك المعماريين الجدد للطابع الفلسفي لعمارة المسجد يعود بالأساس إلى «النمطية الأوروبية» ومعاييرها التي تدرس في أقسام العمارة باعتبارها مسلمات أو مقاييس مثالية لاينبغي الخروج عليها.

وإلى الجمود الذي بات يخيم على الحياة العلمية والإبداعية في العالم الإسلامي. لقد ضحى هؤلاء بالبساطة المهيبة لعمارة المسجد من أجل مسايرة العمران الحديث للمدن.

وساندهم في ذلك اعتماد الحكومات على موظفين عاديين في تسيير حركة البناء والتشيد، وغياب كامل لرؤية مجتمعية واضحة المعالم لهوية المجتمعات الإسلامية ليس فقط على صعيد العمران بل وعلى المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أيضا.

* فكرة المسجد

وتبدو مجتمعاتنا الإسلامية شديدة الحاجة إلى اعادة الاعتبار لفكرة المسجد - الجامع، دون إخلال بالاحتياجات التي عززت من مكانة مساجد الأحياء الصغيرة في عمران المدن الإسلامية، والتخلي عن الفكرة الساذجة لمخططي المدن.

والتي ترى في المسجد محض مرفق يتساوى في مكانته مع المستشفى أو المدرسة، هذه الفكرة التي غيرت من تخطيط المسجد وتأثيره الروحي على المصلين. فقد أدى صغر حجم المساجد الحديثة الى التخلي كليا عن الصحن الأوسط المكشوف الذي كان يتوسط مظلة الصلاة ويوفر للمسجد الإضاءة الطبيعية والتهوية ايضا.

وأفضى تطاول جدران المسجد إلى حصر نوافذ الإضاءة في المستويات العلوية، ولم تفلح القباب الضخمة، قياسا بحجم قاعات الصلاة التي تغطيها، في تعويض النقص المؤكد في كميات الإضاءة الطبيعية داخل المساجد الحديثة.

بل إن هذه القباب أدت في حقيقة الأمر الى إضفاء أجواء من الغموض الكهنوتي على العمارة الداخلية للمسجد، أجبرت المصلين على استخدام أكثر كثافة للأضواء الكهربية.. ليس فقط في أوقات صلاة المغرب والعشاء بل وإبان إقامة صلوات الظهر والعصر وفي وضح النهار.

وزيادة على ذلك أصبح المسجد، وخاصة عندما يكتظ بالمصلين في الصلوات الجامعة، أشبه بخزان حراري لا تنفذ إليه النسمات الرطبة، لاسيما في شهور الصيف. ونحن نعلم أن معظم الدول العربية والإسلامية تقع في الخطوط المدارية التي تمتاز بطول نسبي لأشهر الصيف ذي الدرجات الحرارية المرتفعة والمفعمة بالرطوبة الشديدة.

لقد فات المعماريون الجدد أن أسلافهم لم يستخدموا القباب في تغطية بيوت الصلاة ليس عن عجز عن تشييدها أو جهل بتأثيرها المعماري الآخاذ، وإنما لعلة مناخية وحكمة بنائية لا تخفى على ذوي الأفهام.

واكتفي القدامى بتشييد القباب الصغيرة في مدخل ظلة القبلة وفوق المحراب مباشرة وذلك لأغراض ذات طابع فلسفي - نفعي، فمثل هذه القباب الصغيرة التي ترتفع فوق الأسطح المستوية تشير إلى مكان القبلة بقدر ما توفر إضاءة إضافية للمكان الذي يقف فيه الإمام ليصلي بجموع المصلين.

ولم يقيض للقباب أن تحتل مكانا محوريا في تغطية بيوت الصلاة إلا على يد العثمانيين الأتراك الذين جاءوا من أراض زميزت بشدة وطأة البرد في فصل الشتاء وقسوة حرارة الصيف القاري.

وبميراث بيزنطي معماري اعتمد على القباب المركزية الضخمة لتغطية الكنائس وأشهرها على الإطلاق كنيسة أيا صوفيا التي حولها محمد الفاتح بعد استيلائه على القسطنطينية إلى جامع هائل ترك تأثيره الساحق على العمارة المساجدية العثمانية.

إن هذا الطرز الذي يجري اقتباس قبابه لتعويض صغر المساحات، قد حرم المسجد الحديث من إضاءته الغامرة والتهوية الطبيعية، وقد ترك غياب هذين العنصرين آثارا كبيرة على علاقة المسلمين بالمساجد.

فمن ناحية أوجب توجيه عناية مكلفة للإضاءة الكهربية ولكل وسائل التهوية من المراوح إلى أجهزة التكييف، وأدى في الوقت ذاته إلى غياب الهدوء الوقور عن المساجد حيث بات الضجيج يعم ارجاءها ويحول دون استمتاع المصلين بروحانيات الصلاة والسكينة الواجبة فيها وإلى أبعد من ذلك لم يعد بإمكان المسلمين البقاء لمدد طويلة بالمسجد، حتى باتت المساجد جديرة بأن توصف بالمصليات التي يرتادها المسلمون عدة دقائق كل يوم، لقد آن الأوان لكي يصرف المعماريون جزءا من اهتمامهم لإحياء طراز المساجد الجامعة، وفقا لاحتياجات المجتمعات الإسلامية الحياتية وتبعا للميراث الحضاري والهوية الثقافية المميزة لهذه المجتمعات.

ويدعم من هذا الاحتياج حقيقة أن الطرز الشائعة والنمطية للمساجد الحديثة لم تعد بقادرة على تمثل شخصية أو متطلبات الحياة في مجتمعاتنا الحديثة، وأن تراث عمارة المسجد الإسلامي يستحق أن يلتفت إليه لأنه عامر بالخبرات التاريخية التي تجسد خلاصة إندماج المسلم الصادق في عقيدته وبيئته الاجتماعية والطبيعية.

ـ أستاذ الآثار الإسلامية ـ جامعة القاهرة