تعتبر الأمة الإسلامية أغنى الأمم على الإطلاق بتراثها المعرفي، إبداعا وجمعا ونقلا.إلا أن هذا التراث العظيم تتفاوت أحوال الناظرين إليه.. فالبعض يرى أنه شيئا مقدسا يجب عدم المساس به.

والبعض الآخر يقدر قيمته باعتباره رصيدا لا يجوز إضاعته.. وجذورا لا يجب اقتلاعها، أما البعض الثالث فيتحفظ عليه.. مطالبا بضرورة قطع الصلة به كلية، والانطلاق من معايير جديدة تمكن من إثبات الذات في حيز الوجود.حول هذا الموضوع المهم يقدم لنا الدكتور بكر زكي عوض كتابه القيم: «التراث الإسلامي بين التقدير والتقديس».

في البداية يتحدث المؤلف عن بواعث التقدير للتراث الإسلامي، مشيرا إلى عدة اعتبارات:

ـ الاعتبار الأول: إن هذا التراث كان ـ ولايزال ـ يسقى من مصدر إلهي ومن معين لا ينضب، وهو القرآن الكريم الذي لا تنقضى عجائبه ولا يبلى على كثرة الرد.

ـ الاعتبار الثاني: العمق الزمني للتراث، وهو الذي يكسب التراث الإسلامي كل تقدير واحترام، فكل الأمم تبدأ حياتها الفكرية بقليل من موروثات الآباء، ثم تنمو الحركة الفكرية في عصر الازدهار والرخاء، ثم تمر بخطوط بيانية بين ارتفاع وانخفاض، بل ويمحى التراث أحيانا بمحو الأمة، وإن بقيت بقية تدل عليه.

أما القرآن الكريم، فقد دفع المسلمين في ميدان الفكر الإسلامي إلى ألا يقفوا عند عصر التنزيل وما بعده، بل دعاهم إلى أن يفكروا في خلائق وعجائب وحقائق وجدت قبل أن يوجد الزمن.

ـ الاعتبار الثالث: القابلية للتجديد.. فالتراث الإسلامي لا يعرف الوقوف عند حد، ولا يقتصر قبوله للأفكار عند زمن معين، ولو أننا وعينا وأدركنا صيغ الخطاب القرآني الموجهة إلينا ليل نهار بأن نتدبر وأن نتفكر وأن نعتبر لقلنا:

إن الوقوف بالفكر والإدراك والاستنباط عند زمن معين مخالف للنص القرآني ذاته، لأن خطاب الله ليس قاصرا على زمن ولا طائفة ولا فرد أو أمة، بل هو خطاب عام، أوحى به إلى المصطفى ـ صلي الله عليه وسلم ـ فبلغه، ولايزال الخطاب يتلى للعمل به،لا للتبرك به مع ترك العمل.

ـ الاعتبار الرابع: قبوله للعالمية.. فالتراث الإسلامي يملك صلاحية شاملة لأن يطرح طرحا عالميا، ولكنه يفتقر إلى المؤهل لهذا الطرح الحسن، ولا نريد أن نرسل مُعرفين بالإسلام على اساس من المعارف أو الرشوة، أو المجاملة، بل لابد من اختيار من يحسنون عرض الإسلام وتراثه.

ـ الاعتبار الخامس: سعته وشموله.. فاستمداد التراث الإسلامي أصوله من القرآن، جعل ميادينه لا تقف عند حد أو حصر، فنصوص القرآن تناولت العقيدة والشريعة والأخلاق، والعلاقات الإنسانية والعلاقات الدولية، وشملت الحديث عن كل شيء بداية من الميادين المعرفية للكون، وحتى البناء الداخلي للإنسان.

وينتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن بواعث تقديس التراث، موضحا أن تقدير التراث الإسلامي دفع البعض إلى أن ينزله منزلة القرآن الكريم، وأن ينظر إليه نظرة تقديس، وأن يسلم بالجملة المشهورة «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، بل رأى البعض أن التراث هو الإسلام وأن الإسلام هو التراث، وقد بدت مظاهر التقديس على أرض الواقع في عدد من الجوانب:

ـ الجانب الأول: الرجوع إلى الماضي في كل جديد.. وإن لم يكن للجديد صلة بالتراث الإسلامي أو أن الماضي قد ورد به من البيان ما عفا عليه الزمن ولا يستقيم مع المستجدات العلمية.

ـ الجانب الثاني: إنزال المذهبيات العقدية والفقهية والسياسية والأخلاقية منزلة الدين نفسه.

ـ الجانب الثالث: الدفاع عما لا يستقيم الدفاع عنه عقلا ولا شرعا.. مثل: بعض الأحاديث النبوية الشريفة، وقد وضعت خطوطا حمراء حول صحيح البخاري ومسلم، وعلى هذا جمهور المسلمين باستثناء الشيعة والفرق المارقة عن الإسلام والمحسوبة عليه في الوقت نفسه.

ومثل أيضا بعض الآراء المنسوبة إلى كائن من كان غير رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقد ظهرت هذه العصبية في صدر الإسلام، حتى أن بعض الصحابة كان يقول: قال فلان ـ أي من الصحابة ـ فكان الرد عليه: يقول الرسول (صلي الله عليه وسلم) وفي رد لأحد العلماء قال لخصمه: أقول لك قال رسول الله وتقول لي قال فلان!!

ـ الجانب الرابع: الرغبة في فرضه بالإكراه، وتحريم وتخطئة ما سواه من أفكار دينية.

ـ الجانب الخامس: اعتبار التجديد والمجددين مارقين عن الإسلام، مع أن نصوص القرآن تامر بالتأمل والتفكر والتدبر والاعتبار والاستنباط.

ـ الجانب السادس: إعادة طرح ما عفا عليه الزمن وما لا يتأتى طرحه.

ـ الجانب السابع: الحديث عنه باسلوب المدح المطلق دون تناوله بشيء من النقد.

وفي النهاية، يتوقف بنا المؤلف أمام عوامل التحفظ على التراث، مستعرضا عدداً من هذه العوامل:

ـ العامل الأول: جمعه بين الغث والثمين في مجال العقيدة والشريعة والأخلاق.

ـ العامل الثاني: خوض التراث فيما لا يتأتى الخوض فيه، وبخاصة في مجال العقيدة.. سواء ما يتعلق بالإلهيات أو النبوات أو السمعيات.

ـ العامل الثالث: كثرة الافتراضات في التراث، وذكر كثير من الشبهات والتي أصبحت زادا في العصر الحديث للمستشرقين، ويبدو أن الذي كان يورد الشبهة هو الشيطان على لسان كاتبها من المسلمين، وأن الرد كان من بنات عقل الكاتب، فكانت الشبهة غاية في القوة.. وكثيرا ما يكون الرد غاية في الضعف.

ـ العامل الرابع: فقدان المنهجية العلمية.. ويظهر ذلك في عدم النسبة عند التدوين إلى المنقول عنه، سواء أكان النص قرآنا أم سنة أم نقلا عن الغير، والسطو من بعض القدامى على الإنتاج العلمي لغيرهم بدعوى إباحة سرقة العلم.

ـ العامل الخامس: تغليب المعارف والعلوم النظرية على المعارف والعلوم التطبيقية، فمع أن نصوص القرآن شاملة للعلوم الإنسانية والعلوم الكونية، إلا أن القدامى قد ركزوا على العلوم والمعارف النظرية.

ـ العامل السادس: فقدان التوازن بين العقل والعاطفة، فتراثنا عاطفي.. والنزعة العقلية فيه محدودة، وهى أكثر وضوحا في فكر المعتزلة .

والذي لم يلق رواجا أو قبولا من كثيرين، كما أنه أكثر وضوحا في تفسير الفخر الرازي، ولذلك اتهم بأن فيه كل شيء إلا التفسير. إن النزعة العاطفية هى أوضح ما تكون في تراثنا عن الرسول صلي الله عليه وسلم وعن الأولياء والصالحين، فضلا عن آل البيت.

القاهرة ـ مصطفى علي محمود