وهران.. مدينة جزائرية تعاني وطأة الاحتلال الفرنسي الذي ظل جاثما على أنفاس البلاد على طوال 130 عاماً الحياة رتيبة كل شئ فيها لا يمل من سأم التكرار، اليوم مثل الأمس والغد مثل سابقه.. لا يكاد يحدث شئ..
ولا يطرأ في وهران أي جديد.. اللهم إلا ملاحظة عارضة تبدت أمام أعين الدكتور برنار ريوكس حين كان يغادر مكتبه يوم 16 أبريل لحظتها وقعت عيناه على فأر.. مجرد جرز ميت فكان أن أبلغ بذلك ـ على نحو عارض أيضا ـ إلى المسيو ميشيل حارس العقار الذي استبد به الغضب لمجرد معرفة أن يحتوي المبنى على أحد الجرذان.
. لكن الأمر ما لبث أن استدعى التفكير حين شاهد الدكتور فأرا آخر في بهو المبنى رأى الحيوان الصغير يترنح.. وقبل أن يسقط بغير حراك تدفق من فم الحيوان دم غزير كانت تلك بداية لا يدري فحواها أحد..
لكن الناس بدأوا يتساءلون عن تلك الجرذان التي يصادفونها في جنبات شتى من مدينتهم وهران.. أما الدكتور ريوكس فقد رافق زوجته المريضة لتقيم في إحدى المصحات وعاد إلى بيته ليعرف أن حارس العقار مريض بإرتفاع الحرارة.
وما لبث الحارس أن فارق الحياة في صباح اليوم التالي.. بعدها انتبه الأطباء إلى خطورة ما يحدث وبعدها أيضا تعددت حالات الإصابة بالحمى ثم الوفاة وعند هذه اللحظة أدركوا هول ما ينتظر المدينة وهو الإصابة بالطاعون.
هل حلت اللعنة على أهل المدينة؟ أنهم قوم عاديون.. بشر يعملون ويكدون.. ولا لوم عليهم بل أنهم ضحية لا حول ولا قوة لها إزاء هذا الخطر الرهيب الذي يتربص بهم وبمدينتهم بل بحياتهم ومستقبلهم كله.
كانت المشكلة هي بيروقراطية الإدارة الفرنسية الحاكمة في وهران حتى الإدارة الاستعمارية يمكن أن تكون بيروقراطية لا تبادر بشئ قبل أن تصل الأوامر من السلطات العليا في الجزائر - العاصمة وأحيانا من العاصمة - الأم الحنون في باريس.. هكذا ضاعت أيام وأهدرت أوقات ثمينة قبل أن يعلن الحاكم المحلي حالة طوارئ عامة - بالأدق حالة كارثية اسمها حالة الوباء.
هكذا تم اغلاق المدينة بمعنى تم حصرها وعزلها عن العالم الخارجي.. ومن ثم فالجزء الثاني من الرواية يرسم صورة مجتمع محاصر متوتر تعيس وموبوء.. وسط هذا الحصار لم يعد أمام السكان سوى أن يعتمد كل منهم على نفسه..
أن يغيروا ما درجوا عليه في الماضي من أساليب الحياة..أن يبادروا إلى تجريب أساليب من جماعية التصرف ومن الاعتماد المتبادل ومن محاولة التضامن والتكافل لمواجهة الكارثة التي حلت والعواقب الخطيرة التي تنجم عن وقوعها.
.. صحيح أن باريس أرسلت الأمصال واللقاحات لمكافحة المرض القاتل لكن معدل الإنتشار كان أسرع من ناحية بل أن شكل وحركة الميكروب اكتسب منعة أكثر تعقيدا وأشد خطورة، من ناحية اخرى هناك من دعا إلى تشكيل فرق من المتطوعين (تلك دعوة مسيو تارو وهو شخصية غامضة لا يعرف عنها الناس شيئا سوى أن لديه دفاتر يسجل فيها أطوار الوباء) .
وهناك من نعى على أهل المدينة سوء أخلاقهم وانحراف سلوكياتهم بما جعلهم يستحقون ما حل بهم من مصائب هي في جوهرها عقاب ولعنة من السماء (هكذا دارت مواعظ الأب بانلو وسط جموع المتعبدين) .
ورغم المواعظ والاحتياطات ومحاولات التضامن والتآزر فقد نشأت تجارة غريبة بين تلافيف تلك الملابسات.. إنها تجارة التهريب.. تهريب البشر خارج حدود المدينة فرارا من الإصابة بالوباء والتماسا للسلامة..
وهكذا الحياة تضم نبالة المتطوعين إلى جانب حثالة المهربين وتضم أيضا جسارة الذين قرروا إعلان النضال ضد الوباء الذي استفحل واستشرى مثل وحش أسطوري كاسر أنشب أظفاره الرهيبة في أوصال المدينة التي لم تجد سوى عربات الذبائح كي تنقل فوق متنها جثث الذين أودت بحياتهم كارثة الطاعون.
نصل إلى الجزء الخامس ـ الأخير ـ من الرواية حيث يلاحظ الناس ظهور فئران حية في جنبات المدينة إشارة إلى بدء انحسار مد الوباء.. وتبدأ الأسعار في الهبوط ويستعد حاكم المدينة لاعلان فتح بواباتها.. ويوم اعلان النصر على الطاعون.. ينشرح صدر الدكتور ريوكس في الوقت الذي يتلقي فيه برقيه من المصحة تفيد بأن زوجته العليلة رحلت عن العالم..
تعود العائلات المشتتة إلى جمع شملها.. وتفيض المآقي بدموع اللقاء بين الأحباب الذين تعلموا درسين أولهما أن الحب بين البشر هو الأبقى في حين يتمثل الدرس الثاني أو العبرة التي تختتم بها الرواية في أن البشر يظلون بحاجة إلى تذوق الألم قدر حاجتهم إلى بصيرة الاستنارة ولذلك فقد تصاب حياتهم بآفة الطاعون من جديد.
* الأفكار.. الرموز.. الدلالات
يستخدم الروائي حيلته الفنية على قارئيه.. يحكي الراوي عن كل الشخصيات التي تموج بها أحداث الرواية بمن فيهم الدكتور ريوكس أول من لاحظ النذر الوبيلة.. خاصة وأنه قاد الكفاح الشاق ضد المرض وكم كان يعبر عن سخطه الشديد إزاء ما كان يعانيه من ضروب الظلم في هذا العالم..
بقدر ما كان يحث الناس على أن يتضامنوا في مقاومة الوباء دون الاستسلام لفكرة الطاعون، كان مجرد لعنة منزلة من السماء وقد استكشف المحللون 3 مستويات لتفسير أحداث هذه الرواية التي تحمل مكانة خاصة في الأدب الفرنسي المعاصر بل وفي صرح الآداب العالمية بشكل عام:
المستوى الأول سياسي حيث يرمز الوباء إلى احتلال ألمانيا النازية لفرنسا بعد دخولهم عاصمتها باريس في عام 1940 خلال أحداث الحرب العالمية الثانية بكل ما ارتبط بذلك من رعب وقتل ومعاناة (هنا لابد أن نتدخل كي نتساءل موضوعيا.. وماذا عن احتلال فرنسا الذي كان حالا (بتشديد اللام) ومتواصلا للجزائر نفسها؟
المستوي الثاني فلسفي حيث يرمز الطاعون إلى جميع أشكال القهر والظلم والاضطهاد والعجز الإنساني ويمعن هذا الرمز في الرسوخ إذا ما تأملنا دلالات إغلاق أسوار وبوابات المدينة وتطويق أهلها ووضعهم تحت الحصار وهو ما تخلقت معه فئة من أنذال المهربين وهي المعادل الموضوعي لفئة الأنذال المتعاونين مع قوى الاحتلال والبطش والشر.
المستوى الثالث: خيالي ويتمثل بداهة في فن الإبداع الروائي الذي رسم لنا صورة متخيلة لمدينة ـ أو جماعة بشرية اجتاحتها العذابات.
في إطار هذه العوامل الثلاثة- والعامل الأخيرة بالذات يمعن البير كامي في فكرة العبث الذي يراه طابعا أساسيا أو قانونا محوريا في حياة البشر.. ولكونه مناضلا بالطبيعة فهو يؤكد على أهمية الكفاح ضد هذا العبث بعد فهم قوانين وقوعه دون الاستسلام العاجز أمامه أو مقاومته بصورة فردية لا تجدي المرء فتيلا، دع عنك مجرد تفسيره على نحو بعيد عن الواقع والركون إلى فكرة أنه مجرد لعنه حلت بالناس.
في هذا الإطار تؤكد الرواية عنصر المسؤولية من جانب الفرد والجماعة ومعها عنصر المواجهة التي تنطلق من أرض الواقع ومن فهم قوانين حركته ولا تلجأ إلى تفسير ملابسات هذا الواقع أو مشاكله بقوانين من خارجه والعمل مكتوب بفرنسية متوازنة غير صاخبه .
كما يقول النقاد بمعنى عدم الاستسلام أمام غواية الاستعارات وضروب الزخرفية اللفظية التي قد يجنح إليها مستخدمو الفرنسية في صفوف التعبير ولأن كامي دارس جاد للآداب الكلاسيكية فهو يولي اهتماما شديدا لوحدات العمل الفني الثلاث:
وحدة: الزمان (تستغرق الاحداث شهرين ليس إلا، ووحدة المكان (مدينة واحدة فقط وأغلقت أبوابها) ثم وحدة الحدث (هو الطاعون حدث محوري واحد).
* العمل في ذاكرة الإنسانية
درس البير كامي الفلسفة وعمل في الصحافة فوق الأرض وتحتها وكتب القصة وأخرج للمسرح وأدى كل هذه الأدوار وهو مصاب بداء السل ولم يمنعه الإنهاك الشديد من رفض الاحتلال الألماني لفرنسا ورفض الظلم المتفشي في حياة البشر..
وقد ربط المحللون بين أعمال كامي وبين دعوة الوجودية التي بشر بها جان بول سارتر (1905 ـ 1980) كما ربطوا بين رواياته وبين تيار العبثية الذي عبر عن نفسه أساسا في مسرح اللامعقول الذي ساد من الاربعينات إلى الستينات والسبعينات على وجه الخصوص.
وبغير كل هذه التفسيرات الأيديولوجية أو حتى الفنية ـ تظل رواية «الطاعون» عملا له طابع خاص لأنه يثير الصدمة ويشد الاهتمام لمتابعة سلوك الإنسان إزاء الكارثة بين سمو المجابهة الشجاعة وبين الانحدار في استغلال الظروف.
يرصده : محمد الخولي
