يتحدث البطل الأولمبي المغربي هشام الكروج عن الجانب الإنساني والعائلي في شهر رمضان، دون أن ينسى الحديث عن الرياضة، مستذكراً دموع الحزن في أتلانتا 1996 وسيدني 2000، ثم دموع الفرح في أثينا بإنجازين أولمبيين في 1500، 5000م، التقيناه وسألناه عن عادة استقباله لشهر رمضان الفضيل فقال: تعودت مثل أقراني الآخرين أن نستقبل الشهر الفضيل بالإقبال على تلاوة القرآن الكريم والذهاب إلى المساجد وأداء الصلاة جماعة، فرمضان في المغرب، وفي مدينتي بركان يتميز بعبق خاص، حيث تزدان الحوانيت والمحال التجارية بالزينات، في الوقت الذي تغلق فيه جميع المقاهي والمطاعم أثناء النهار.

وكنت وما زلت أحرص على الحفاظ على التقاليد الرمضانية المميزة، خصوصاً ليلة السابع والعشرين، حيث أقضي أوقاتاً طيبة باعتبارها ليلة القدر، فتمتد السهرات العائلية إلى آخر الليل وحتى مطلع الفجر.

وجلسات السمر هذه من مظاهر رمضان المألوفة، حيث كنا نتزاور ونعيد صلة الرحم في الشهر المبارك، ويكون مكانها في البيوت، سيما بيت الجد أو الجدة، وأحيانا نتحول إلى الحدائق الخضراء التي تشتهر بها المدينة.

وتناول الكروج في حديثه مدى تأثير رمضان على مسيرته الرياضية فقال: بالتأكيد. شهر رمضان يعلمنا جميعا الصبر والإرادة القوية على احتمال الجوع والعطش وهي عوامل ضرورية لكل رياضي، بل انها تدخل في سياق التدريبات الرياضية، ولذلك كان رمضان بمثابة المصدر الأول لبناء استعداداتي وتوجهاتي نحو الجري الذي يتطلب أول ما يتطلب الصبر والقدرة على الاحتمال.

لقد كان من عادتي بل من عادة أبناء جيلي المميزة أن نخرج إلى ممارسة الرياضة بين العصر والمغرب، والطريف أن العجائز والأطفال كانوا يشاركوننا في هذه الممارسة كل حسب طاقته، وتكون لحظات جميلة من اللعب والترفيه.

وعن كيفية إعداد مائدة الإفطار ذكر الكروج أن مائدة الإفطار المغربية في رمضان كانت ومازالت عامرة بأصناف المأكولات الشهية، ومنها ما يتكرر يومياً مثل «الحريرة» و«الكسكسي» الذي يجهز بأكثر من طريقة، ويقدم أيضاً طاجين اللحم.

وهو الطبق المفضل لدي. أما المشروب المفضل فهو الشاي بالنعناع وما نسميه الشاي الأخضر، بالإضافة إلى بعض المشروبات الباردة الممزوجة بالأعشاب الطبيعية لفائدتها للمعدة أثناء النهار.

وعن مدى وجود ذكريات خاصة عن رمضان أشار إلى أن ذكريات رمضان كثيرة تزدحم بها الذاكرة، لكن ما لا ينسى منها القصص التي كانت تحكيها الوالدة والحكايات الدينية طوال الأمسيات الرمضانية التي نسمعها من كبار العائلة الذين كانوا يتحدثون وهم يسبحون بمسابحهم المهيبة كما لو كانوا في مسجد، وكانت الشوارع تظل مضاءة وحركة الناس لا تهدأ أثناء النهار وحتى مطلع الفجر.

وتطرق البطل المغربي أثناء الحوار إلى القول لو أردت أن أتحدث عن قيمة شهر رمضان في حياتي الشخصية، فان القيمة الأساسية لرمضان في حياتي هي الإيمان، وقد عزز هذا الشهر الفضيل في نفسي قيمة الإيمان بالله.

ما ساعدني على الانتصار، فقد كنت أقول دائماً في قرارة نفسي إنني إذا لم أتمكن من الفوز، فلأن إرادة الله شاءت ذلك، ربما لهذا السبب لم أفز في أتلانتا وسيدني، ومن ثم رفعت كفيَّ إلى السماء وحمدت الله على جسمي، على عضلاتي وعلى نباهتي.

وهي من العوامل التي ساعدتني على تحقيق الفرق بالنسبة للعدائين الآخرين. أنا مسرور لكوني ركضت مسافة 1500 م إلى جانب بيرنارد لاغات، لقد كان هو الآخر يستحق الفوز، لهذا تعانقنا في نهاية السباق.

وحول ما يروج في ذهنه خلال منافسة رياضية مثل الألعاب الأولمبية قال الكروج: قبل الانطلاق، يجب إفراغ الذهن كلية، خلال المسابقة، من أي شيء. يجب أن لا تفكر إلا في الفوز من أجل إسعاد هؤلاء الذين ينتظرون الإنجاز، فعندما أركض أعتبر نفسي مبعوثاً للإنسانية، وأقوم بذلك لأجل هؤلاء الذين يشاهدونني، فقراء أو أغنياء، مرضى أو أصحاء، شباباً أو شيوخ، وهذا نابع من إيماني.

وعن شعوره بعد الإنجازات الكبيرة التي حققها رياضياً قال بطلنا الأولمبي أنا سعيد مثل وليد، سعيد جداً، لقد حققت أحلامي، وكلما حققت إنجازاً أظل سابحاً في الحلم، فالفوز في منافسات كالألعاب الأولمبية حدث مهم بالنسبة لي، وللمغرب وللبشرية جمعاء.

وتطرق الكروج إلى دافع الفوز بالنسبة له عند مشاركته في المسابقات الرياضية فقال: إن حب الرياضة. تولد عندي عندما كنت فتى، حيث كنت معجباً بسعيد عويطة، وكنت مفتوناً بإنجازاته، برشاقته ونباهته في الجري، وكنت أحلم بمضاهاته. إنه صديقي الآن وهو سعيد لأجلي.

* متغيرات في حياتي

عاش الكروج طفولة متواضعة، ثم أصبح غنياً فكيف عاش هذا التباين؟

عن ذلك يقول: صحيح أن كل شيء تغير في حياتي، لكن شخصيتي ظلت كما هي. في منزلنا أكون أنا هشام ابن العياشي وفاطمة. إنني أحترم القيم العائلية والإنسانية، وأؤمن بذلك وسأظل على إيماني.

ومع ذلك، أحمد الله على طفولتي السعيدة، حيث كنت محفوفاً بحب عائلتي، وعلى الرغم من أن أبي كان بائعا للأكلات الخفيفة، فإننا كبرنا وترعرعنا في جو من الاحترام والمروءة والكرم.

وعن نظرته إلى المستقبل، خصوصا وان هناك عمرا افتراضيا لكل رياضي فقال: ربما أستأنف دراستي في الولايات المتحدة إن شاء الله. أود التوجه نحو دراسة الماركتينغ.

قلنا له بماذا تدعو حين تبدأ بتناول السحور واستقبال يوم صوم جديد فقال: إنني أرفع دعواتي لكي تعيش ابنتي «هبة» وكل أطفال العالم في سلام، في صحة جيدة والاستفادة من تربية سليمة.

سيكون بإمكان طفلتي أن تتابع دراستها دون أن تعاني من عوز مادي، لكن دعائي الدائم هو أن يكف العالم عن قتل الأبرياء وعن الأعمال الإرهابية التي تزهق الأرواح وتثير الرعب في النفوس.

الرباط ـ رضا الأعرجي