حصول الأجر الكامل على الصيام.. أما تحديد الجزاء فلا يعرفه إلا المجازي سبحانه وتعالى: لكن إذا كان أهل الخشية من أغنياء البشر يعطون الناس عطاءً على قدر ما أنعم الله عليهم فانظروا كيف يكون عطاء من ينعم ولا ينعم عليه، ومن يعطي ولا يأخذ، وإذا كان الصوم صبراً على الطاعات وصبرا عن المحرمات فقد قال الله تعالى: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» ويكون معنى وأنا أجزي به أي أعطي عبدي الصائم عطاءً يليق بكرمي وشتان ما بين كرم الربوبية، واستحقاق العبودية.
قال أبوالحسن: معنى قوله: «وأنا أجزي به» قال: كل طاعة ثوابها الجنة، والصوم جزاؤه لقائي أنظر إليه وينظر إلي، وأكلمه ويكلمني.
وبعد: فمن هو الصائم الذي يستحق جزاء ربه على هذا الصيام؟ هل هو الممتنع عن الطعام والشراب فقط؟ ولم يكف عن الغيبة والنميمة وقول الزور؟ لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الصيام جنة ما لم يخرقها» قيل وبم يخرقه؟ قال «بكذب أو غيبة» والجنة (بضم الجيم) ما يقي الإنسان ويستره.
أي أن الصيام يقي الإنسان من عذاب النار ويستره عن الوقوع فيها. فإذا كان الصائم كذاباً أو مغتاباً فقد خرق الستر ومزق الجنة. ولم يكن له من صيامه إلا الجوع والعطش. وإذا كان الصائم ممن يقولون الزور أو يعملون به فلا ينتظر ثواباً على الصيام لأن الله غير محتاج إلى عبادته هذه.
قال صلى الله عليه وسلم: «ومن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» ونظراً لخطورة الكذب وأثره السيئ على عبادة الصيام. فقد حكى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
وعن إبراهيم النخعي ـ شيخ الإمام أبي حنيفة ـ قال: كانوا يقولون: الكذب يفطر الصائم. أما الغيبة فقد قال الإمام الأوزاعي: إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم.
وإن كان جمهور الفقهاء يرون أن المعاصي من غيبة وكذب وغيرهما إنما يعطل ثواب الصوم وتذهب الفائدة المترتبة عليه من قبول الدعاء وغفران الذنوب وما إلى ذلك، فكفى بهذا خزياً وحرمانا.
وما فائدة عمل لا يثاب عليه صاحبه؟ فرحماك اللهم. يا رحيم يا غفار. ويا ليت قومي يعلمون، فنسألك اللهم برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لنا ولجميع المسلمين ذنوبنا وأن تتقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا يا نعم المولى ويا نعم النصير.