من أظرف وأطرف الكُتَّاب العرب، الروائي والناقد والدبلوماسي المصري يحيى حقي، الذي يمكن أن يقال أنه جعل من معظم النصوص التي كتبها، حتى ولو كانت روايات وقصصاً قصيرة، حيزاً يكتب فيه نتفاً من حياته وذكرياته.
وهو هنا في هذا النص المأخوذ من واحد من أشهر كتبه «خليها على الله» يصف لنا اكتشافه طبقات الحمير وتدرجات موقعها الاجتماعي، كما يصف بعض شؤون مدرسة للحمير فريدة من نوعها كان أستاذها ومديرها رجلا غريب الأطوار عرفه يحيى حقي خلال إقامته في الريف.
الحمار جعله الإنسان على درجات، أدناها حمار السبخ، لا يطلب منه أن يجري، بل له، إن قدر، أن يمشي كما يشاء، فيمشي بربط عظامه بعضها إلى بعض خيط واه، مشية أجرب يحك بيد خفية قروحا بعيدة على جسده.
لا يبلغها إلا بعد مشقة، يجند لهذه السخرة حمير أشلها الضعف أو الكبر أو السقم، ودعت الدنيا لأنها لا تعيش إلا على هامشها، منهوكة القوى عاجزة حتى عن الأنين، لا ينطق منها حمار بمعنى واحد يدل على انه حي.
. وفي بعض الأحيان يضع الصبي الفلاح وهو يسير بجانب الحمار ذراعه على كفله. وأظن أن هذه اللمسة-رغم ثقلها هي حيلته الوحيدة بعالم الشعور، لا يجد في غيرها ألفة أو شفاء من الوحدة والضياع.
والدرجة الثانية هي حمير الأجرة بالمحطة، لا تعرف الراحة تقتصر قواها إلى آخر قطرة كما يستنزف دم الذبيحة. يقاس طعامها بالدرهم بمقدار ما تبذله من جهد لا بمقدار جوعها.
هي أكثر الحمير إصابة بالجروح، ولا سيما على سلسلة الظهر تحت البردعة، فلا تشفع لها، كل علاجها أن تكتم ـ حتى لا تتبين لأعين الغرباء ـ بدهان من الحناء، هيهات أن تخفي احمرار الجرح. في حياته معالم واضحة الصورة، أولها وهي تصرفه وترهبه.
وتكرهه وتذل بين يديه وتفهم كلامه وان زعمت أنها تجعل أذنا من طين وأذنا من عجين. وثاني المعالم يسترد معه الحمار بعض إرادته، فان أذاه لا يتضمن الإرهاب بل القسوة وحدها، فكل هجوم من الصبي، دفاع معد من الحمار.
وقد رأيت الحمار ينتصر كثيرا على الصبي ويرغمه على الرضى بجهده المبذول لا يطالبه بمزيد هو قادر عليه، أما ثالث المعالم فهو الطريق، فانه ما كاد يوضع في أوله حتى يعلم إلى أين ينتهي، وتحس من مشيته وحدها ما إذا كان المشوار طويلاً أو قصيراً.
لذلك كان حمار المحطة أكثر الحمير مكراً. هو «ابن سوق» محنك بالتجارب، له طبع ينفرد به عن غيره، ويحدث كثيرا أن يطلق المعلم على الحمار اسما ـ لا ادري لماذا كان اسم سمارة أحب الأسماء إليهم ـ وإنني اجزم عن خبرة، وان حسبتني مخرفا، أن الحمار يعرف انه صاحب الاسم، وانه يجد فيه.
ـ كما يجد في طبعه ونوع فكره ـ مقومات استقلاله عن غيره. ثم يأتي بعد ذلك، حمار الفلاح، ركوبه الخاص. وقد وجدته ـ رغم انه يكون أحيانا ضخم الجثة ـ طيب القلب وديعا، فيه لكثير من عباطة السذج لأنه يعيش، وان في شظف، بين أحضان أسرة كواحد من أفرادها، فإذا خرج عن دائرته بدا عليه شيء من الحيرة واحتاج إلى شيء من الوقت ليعرف ماذا يراد به والى أين يقاد.
انه لا يحتاج من صاحبه إلى كثير من الزجر والحث، بل يبذل له طواعية، غاية جهده، وهو قدر حددته العادة ومألوف طبع صاحبه وصلح بينهما منذ قديم. وهذا هو سر اضطرابه على الفور إذا ركبه غريب.
وهناك على رأس القائمة حمير تعد من الطبقة الارستقراطية، لعلها أوشكت الآن على الانقراض في الريف، ولكنني لحقت في ذلك العهد أواخر سلالاتها، يهيم بعض الأعيان، من اجل راحتهم وإشباعاً لزهوهم وتدليلاً على مكانتهم بان يكون لهم حمار قوي منتصب الرقبة مرفوع الرأس، راقص الخطوة، أكحل العينين، له بردعة من جلد ثمين أو من قطيفة لها زينة كثيرة ولجام وركايب.
ويضن به إلا على كبار الحكام، أكله موفور وتعبه قليل، إذا حمل صاحبه إلى المدينة وانتظره في المحطة رمقته الأبصار وان سار به إلى الخيط صدرت من فوقه الأوامر تحت مظلة مؤيدة بعلو المقام.
وينبغي أن اعترف هنا ان الارستقراطي لم يثر انتباهي إليه كثيرا، اعلم انه سعيد بلحمه وشحمه، والسعادة وان كانت مطلبنا الأسمى إلا أنها على خلاف الشقاء قضية واضحة ليس لها ظاهر وباطن، أن نكشف فيها لن تخرج بسر أو عجيبة ومن دواعي الحيرة أنها لا تباع بثمن واحد.. هو التفاهة.
ولكن لا تحسبن أن هذا الحمار الارستقراطي يولد هكذا، فانه حينئذ لا يختلف عن بقية أطفال الحمير، شعرها لا يزال زغبا ناعما، لها شوشة منفوشة فوق جبهتها كأنها حملان كبيرة، ضخامة الرأس إذا قيست إلى البدن علامة هذه الطفولة كأنها تعدنا بعقل جبار.
وستصحح النسبة عند البلوغ، حياتها قفز ولهو ولعب، المفاصل مركبة على صواميل لا تزال لينة، فالخطوة فوضى، ستفسد في ما بعد ما فرط من الحرية، وتتخشب ويصبح الظهر لراكبه من العاب العذاب في «لونا بارك»، حينئذ ينبغي إنقاذ ابن الأكابر من هذا الخطر الداهم، آن الأوان لإرساله للمدرسة لتعلم المشي، لا المشي الذي يريده هو، بل المشي الذي يريده له الإنسان.
نعم.. وجدت للحمير مدرسة عجيبة يديرها رجل في إحدى القرى اسمه الشيخ شعبان، ويجعل منها اكبر مورد لرزقه. وهي مدرسة مختلطة من تلامذتها الخيول التي يطلب أصحابها أن تمشي مشية الرهوان، وأغنياء الفلاحين مغرمون بهذه المشية غراما شديدا.
ويرونها ليس مثلها علامة على الأناقة والصبونة. وهي مشية تحتاج إلى تعلم طويل، تدريب أطول لا يحسنه إلا المتخصصون أمثال الشيخ شعبان.
وهي مدرسة داخلية خارجية، في القسم الخارجي تلاميذ الجيران، يأتي الرجل بالتلميذ كل صباح ثم يتسلمه عند الغروب، حتى لا يدخل في اجر الشيخ شعبان حساب وجبة العشاء.
أما تلاميذ القسم الداخلي فيأتون من بعيد مع كل تلميذ زاده رواده كيسان أو ثلاثة من الفول أو التبن، وينصرف صاحبه فيما يبقى التلميذ في المدرسة حتى ينال الشهادة، ولقد حضرت بنفسي أول قدوم لبعض تلاميذ القسم الداخلي إلى المدرسة.
وانتبهت إلى الحمار حين ينتقل من يد يعرفها لا يوجد منها شرا إلى يد جديدة تنم هي وصوت صاحبها عن جد لا يعرف الهزل.. لقد انتهى عهد السرمحة يا حبيبي! وأرجو أن يصدقني القارئ إذا قلت له أنني رأيت التلميذ يستخذي ويلزم أدبا فيه من الحزن حين يخلو إلى الشيخ شعبان بعد أن يودعه صاحبه ويغيب عنه.
والشيخ شعبان رجل متئد الحركة، وقور، خفيض الصوت، لكلامه غنة لذيذة، متعطر متكحل متأنق، يلبس العمامة والجبة والقفطان ـ فهو ناظر مدرسة ـ ما أحوجه إلى بنطلون، ولكن هيهات!
فهذا ليس الكفرة فهو حرام، كنت أرى شبحه من بعيد فوق الجسور، مقوس الظهر فوق دابته، فأحسبه من طلائع غارة جديدة لجحافل التتر، في يده سوط لا يستعمله إلا نادرا.
هو للإشارة والتنبيه لا للضرب، فان أدواته الأولى هي ركبتاه، يطبق بهما على ظهر دابته مثل كسارة اللوز والجوز، ولكزات خفيفة من كعبه وألفاظ قليلة متقطعة، فيها رقة النصح والإرشاد ورهبة التهديد معا. والتلميذ من تحته صاغر فاهم، يخطئ ويصيب فيصبر عليه الشيخ شعبان مرة وأخرى.
ويعودني الشيخ شعبان ونجلس أمام البيت نشرب القرفة، وإذا وصلت إلى خياشمي رائحتها الزكية المنبعثة من معابر الشرق البعيد، لا ادري لماذا كان يخيل إلي أن الرجل يذكرني بقائد حلقة الذكر.