أعد الله تعالى نبيه محمداً إعداداً خاصاً من حيث الرعاية والتربية والتأديب ليكون المثل الإنساني الكامل الذي تتجسد فيه كل القيم والمثل التي يريدها الله تعالى في عالم الإنسان الرباني الموصول بالله تعالى.

وهذا الإعداد المتميز يأتي مناسباً لحجم المهمة الخطيرة التي سيكلف الله تعالى به نبيه الخاتم إلى تلك البشرية الضالة التي فقدت الاتصال بالملأ الأعلى، لتلتصق بتراب الأرض وعفونته، وهذا الواقع كان سائدا في كل أرجاء الأرض، فالضلال يخيم على سائر البشر، والفساد يعم كل نواحي الحياة، حتى بات الإنسان معكوساً في مفاهيمه.

ومنكوساً في تصرفاته، فهانت عليه كرامته حتى سجد للشجر والحجر والنهر وغيرها من الكائنات، وعم الظلم في المجتمع، فأصبح الذئب راعيا، والخصم قاضياً، والمجرم سعيداً حظياً، والصالح محروماً شقياً، وشربت الخمر حتى الإدمان، وانتشرت الخلاعة والفجور إلى حد الاستهتار.

وساد الربا إلى درجة الاغتصاب وسلب الأموال، وتعالى الحكام والأحبار حتى صاروا أرباباً من دون الله، وعطلت الطاقات المبدعة في فعل الخيرات، وسخرت في بث الفساد، حتى أصبحت الشجاعة غارة وقتلاً وسلباً ونهباً، والأنفة حمية جاهلية، والخوف من العار قسوة وظلماً، وصل إلى حد الوأد وقتل الأولاد.

أمام هذا الواقع الرهيب، ورحمة من الله تعالى بعباده كانت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، لتقدم للبشر شخصية منهم، ولكن للإنسان النموذجي، لذلك الانسان العظيم، المثل الأعلى الذي اجتمعت فيه عناصر الكمال الإنساني ليكون القدوة العملية لغيره من سائر البشر.