هل يمكن لأحد أن يحصي حقاً عدد الكتب والدراسات التي صدرت عن ابن خلدون، رائد علمي المجتمع والتاريخ في الفكر الإنساني؟ الجواب ليس سهلا... ومع هذا نعرف أن ما من نظرة واحدة أو عشرات النظرات يمكنها أن تلم حقا بمكنونات هذا المؤرخ، لا سيما بكتابه الأهم والأشهر «المقدمة» الذي لا يزال يسائل العلماء ويطرح أسئلته الشائكة والغريبة علينا حتى يومنا هذا.
ابن خلدون حسب البعض هو المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع، على صعيد الفكر العالمي. وهو، حسب البعض الآخر، من كبار المؤرخين العمليين. أولئك يستندون إلى «المقدمة» وهؤلاء إلى «كتاب العبر»، مع العلم أن «المقدمة» هي، في الأصل، جزء من «العبر».
غير أن الفارق كبير بين الاعتبارين... طالما أن العلماء تواضعوا دائما على أن «المقدمة» عمل نظري من طراز رفيع، لا مدخل فقط في مجال درس التاريخ، بل يطاول خاصة مسألة العمران والاجتماع البشري، كما تواضع أكثرهم على أن «كتاب العبر« عمل تاريخي، يكاد في بعض جوانبه يكون عملا عاديا، بل انه في جوهر تناوله للتاريخ يبدو «متخلفا» عن «المقدمة» وأحيانا مضادا لها.
من هنا، من الواضح أن قراءة حقيقية وموضوعية لابن خلدون، تطاول كتابته النظرية والعملية في آن معا، سوف تضعنا أمام فرضية مفاجئة وهي أن الرجل لم يكن أبدا مؤرخا بالمعنى الذي طالب هو الآخرين بأن يكونوه، بقدر ما كان صاحب منهج تاريخي.
ومنهجه هذا كان يقوم على الاستقراء البارع والنادر في مجال تفسير الأحداث والتبدلات التاريخية، تفسيرا يستند غالبا إلى مبدأ السببية والى منهج التحليل والتركيب.
ومن هنا نجدنا في هذا السياق متفقين مع الباحثين الذين يقولون أن أهمية ابن خلدون لا تنبع من وضعه موسوعة تاريخية ضخمة هي «كتاب العبر« بقدر ما تنبع من اشتغاله على تبيين حقيقة التاريخ وتعريفه تعريفا علميا صحيحا. ولكن قبل الحديث عن هذا، قد يجدر بنا أن نعود بعض الشيء إلى صورة الظروف التي واكبت كتابة ابن خلدون ل«المقدمة».
حدث ذلك في احد أعوام نهاية القرن الرابع عشر، والمكان هو قلعة ابن سلامة في الشمال الإفريقي... أما بطل المشهد فهو ابن خلدون وقد صار متكهلا يحمل على كتفيه أثر الستين والخيبات والأحداث الفريدة التي عرفتها حياته.
يومذاك بات من عادة ابن خلدون ان يخط يوميا على الورق وبسرعة غريبة ذلك النص الذي سيقيض له ان يعيش طويلا بعد ذلك، وحتى أيامنا هذه وتظل له جدته وطرافته، ويظل يحمل حتى أيامنا، ألف درس ودرس للباحثين في علم التاريخ، ابتداعا لم يسبقه احد إليه. وكان النص، كما نعرف الجزء الأول من «كتاب العبر»®®. وسوف يعرف مستقبلا بعد ذلك باسم «المقدمة».
في اعتقادنا ان ما جعل هذه «المقدمة» تعيش حية، هو أنها طرحت أسئلة لا تزال هي هي الأسئلة المطروحة على علم التاريخ حتى اليوم. لأن ذلك النص أتى على يدي ابن خلدون فاتحة لتحويل التاريخ من «وصف ما جرى» إلى علم ب«قوانين ما يجري»، ولأنه كان أول نص في ذلك الحين يربط الأحداث بأسبابها الاجتماعية والمناخية والجغرافية والاقتصادية.
ويقول بمبدأي السببية والتوليد، بمعنى ان الأحداث، تحت قلم ابن خلدون، باتت تولد من بعضها البعض، لا في تعاقب زمني بسيط، بل في تعاقب وتشابك متعددين مركبين مع ان ابن خلدون انهى عصر كتابة التاريخ التأملي ليبدأ عصر ادراك السببية في قراءة التاريخ.
* نقد كتابة التاريخ
إذا كان العلماء وكتاب السير سيظلون يتساءلون عن المصادر التي منها استقى ابن خلدون منهجه الجديد آنذاك أو يختلفون في ذلك، فان ما لا شك فيه هو ان أمورا كثيرة أخرى في الميدان الخلدوني قد حسمت، وأولها مكانة الرجل الفريدة في تاريخ العلم.
وتأثيره الحاسم على عدد كبير وكبير جدا من المؤرخين وعلماء الاجتماع خلال القرون التي تلت ظهور «المقدمة»، ولكن أيضا النظر إلى ابن خلدون بوصفه أول ممارس حقيقي لنقد كتابة التاريخ في العصور الحديثة.
وذلك انطلاقا من توقفه المطول عند كتابات الذين سبقوه من المؤرخين المسلمين من أمثال ابن إسحاق والطبري والاشدي والوافدي، أولئك الذين قال عنهم في «المقدمة» ان «التاريخ على أيديهم صور قد تجرد من بوادرها.
وهم على الجملة إذا تعرضوا لذكر دولة نسقوا أخبارها نسقا، محافظين على نقلها وهما أو صدقا، لا يتعرضون لبداياتها ولا يذكرون السبب الذي رفع رايتها وأظهر من آيتها ولا علة الوقوف عند غايتها».
مهما يكن فإن تناول التاريخ يبقى لدى ابن خلدون، واستنادا إلى المقدمة، تناولين، واحد ينظر إليه من الداخل وآخر ينظر إليه من الخارج... بيد ان ابن خلدون لم يهدف من هذا التحديد إلى وضع نوع من التصنيف، بل للوصول إلى تفسير، حيث أن ابن خلدون إذ ينطلق في جوهر كتابته من الإنسان نفسه، فإنه يفعل ذلك لكي يقيم علاقة ضرورية بين الطبيعة البشرية والعمران والحضارة.
فلدى ابن خلدون لا يؤخذ الإنسان انطلاقا من انتمائه إلى شريحة أو طبقة، بل انطلاقا من انتمائه إلى مفهوم. وعلى هذا لا يعود التاريخ مجموعة من الأغراض المتفرقة التي يصار بنجاح كبير أو قليل، إلى رصفها في طبقات بل يصبح ذا غرض موحد هو دراسة العمران، والعمران البشري تحديدا.
وابن خلدون يقول لنا في هذا السياق ان الإنسان يمتلك ثلاث سمات تهيئ له العيش في المجتمع أولاها: الفكر أي الحاجة إلى قوة ضاغطة أو وازع، والحاجة إلى البحث عن مسائل البقاء، وثانيها: الاجتماع البشري حيث ان الإنسان لا يمكنه إلا ان يعيش في مجتمع، وثالثها: العمران الذي ينتج بالضرورة على هذا الاجتماع.
ويؤكد لنا ابن خلدون ان هاتين السمتين الأخيرتين إنما هما التتويج الأسمى لكل تلك السمات من ناحية والميزة الأكثر حضورا لدى الإنسان. فما معنى هذا كله لكيلا لا يبدو هذا الكلام كلمات متقاطعة؟
معناه ان مفهوم التاريخ قد اكتسب لدى ابن خلدون في ذلك الوقت المبكر، معناه الذي بتنا نعرفه بوضوح خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أي منذ روسو ودركهايم وكونت حتى كارل ماركس وصولا إلى أصحاب المدارس الجديدة في التاريخ من الذين معهم.
ومع ابن خلدون من قبلهم، خرج التاريخ عن أشكاله التي أعطيت له منذ المؤرخين اليونانيين(ثيوكليديس مثلا) ولم يعد ينحصر في تدوين الوقائع: صار الهم يقوم في تعليل الوقائع تعليلا علميا ومنهجيا يقوم على الملاحظة والمقارنة والموازنة والمعارضة، ولا سيما دراسة البيئة وأصول العوائد وقواعد السياسة وطبيعة العمران.
وسؤالنا الأخير هو هنا: ما الذي يجعل كتاب ابن خلدون هذا يخرج في جوهره وأسئلته عن السياق العام للعلوم في الثقافة الإسلامية جاعلا منه إلى حد ما جسما غريبا؟ لقد كسر ابن خلدون سياق النص المرتبط بالمتكلم، وكسر أيضا التحديد المعرفي المسبق للنص، وكان يعرف بالفعل انه مقدم على شيء جديد لم يسبق له مثيل.
وكان يعرف كذلك بان الثقافة تقوم بعملية اختيار وانتقاء، فعلى الرغم من انه يقرر العلم الذي يقدمه-مستنبط النشأة- وانه لم يجد كلاما في منحاه لأحد، فانه يتساءل في الوقت نفسه كيف أمكن للبشر، من قبله، ان يغفلوا عن هذا العلم؟
فهل معنى هذا انه كان موجودا في الثقافات القديمة لكنه لم يصل إلى الثقافات الحديثة لأنها لم تستطع ان تستوعبه؟ (كما تفسر باحثة مصرية في نص نشر قبل عقود). مهما يكن فان ما يمكن قوله في الختام هنا هو انه مهما كان من أمر الجواب فان «مقدمة» ابن خلدون سوف تظل بيننا تطرح علينا وعلى العلم أسئلة بالغة الأهمية ورؤية إسلامية للعالم لم تكن معهودة».