تعد مرحلة بدايات القرن الماضي مرحلة مخاض ثقافي وفكري في منطقة الإمارات. إذ شهدت هذه المرحلة بروز المدارس شبه النظامية ووصول المدرسين من خارج حدود الإمارات لتدريس الطلاب من خلال تلك المدارس أو الحلقات الخاصة. كما شهدت بداية البعثات الدراسية إلى الخارج،
حيث غادرت مجموعة من أبناء الإمارات إلى مناطق مختلفة لتلقي المزيد من العلوم، بعد أن كان الأمر مقتصراً على سفر شخص أو اثنين. وقد مثل تواصل أبناء الإمارات مع المثقفين من أبناء الدول العربية الأخرى، سواء في بلدانهم أو في الهند التي كانت ملتقى للمثقفين العرب آنذاك. وتواصلهم مع الصحافة نقلة في تنمية الوعي لديهم وسعيهم لمحاكاة تلك التجارب
وتكونت مجموعات من المثقفين الذين كونوا مخزوناً معرفياً. وبدأوا محاولة الكتابة والتأليف؛ ولما أرادوا نشر إبداعاتهم وكتابتهم لم تكن ثمة مؤسسات لذلك داخل الإمارات، فاتجهوا للكتابة خارجها عبر الجرائد والمجلات التي كانت تصدر آنذاك.
وبدأت علاقاتهم بالصحافة بما كان يرد إليهم عبر البصرة أو الهند من خلال الاشتراكات وكانت تأتيهم متأخرة شهراً أو أكثر من تاريخ الصدور كما صرح بذلك إبراهيم المدفع في لقاء أجرته معه مجلة الأزمنة.
حيث يقول: «كانت تأتينا صحف من القاهرة، مثل المقتطف ووادي النيل والرسالة، والهلال، ومن العراق مجلة جزبوز (الفكاهية السياسية) ومجلة بو حمد والفرات.
ومن الكويت مجلة الكويت التي كان يحررها عبدالعزيز الرشيد، تأتي هذه الصحف والمجلات متأخرة شهراً أو شهرين أو ثلاثة شهور أحياناً» فكانت تصلهم الصحف والمجلات حسب أولويات صدورها من البلدان التالية:
مصر: الشبان المسلمين، الفتح، المنار، الشورى، الشباب، البيان، الهلال، الرسالة، الأهرام، الحقوق، الطالب، المقتطف، الكواكب.
العراق: الصراط المستقيم، الأيام، بوحمد، الفرات، جزبوز.
السعودية: أم القرى، الإصلاح، المنهل، صوت الحجاز، الخليج العربي.
الكويت: مجلة الكويت، العربي.
سوريا: المقتطف، الشهاب، الحياة.
لبنان: الأديب، العمران البيروتية.
وكانت اشتراكاتهم في هذه المطبوعات بداية من خلال الأصدقاء في الهند. فهذا عبدالله بن صالح المطوع يخاطب إبراهيم المدفع في كتاب له مؤرخ في 1346هـ 1928م حيث يقول: «وقد قمنا بدل اشتراك جريدة الشورى وستصلكم إن شاء الله هي والمنار، وكذلك اشتركنا في الفتح ويا لها من جريدة إسلامية...».
ويؤكد محب الدين الخطيب الاشتراك في الفتح في خطاب له إلى إبراهيم المدفع عام 1437هـ 1929م حيث يقول: «... وبعد، فقد تشرّفت بكتابكم الكريم. ولا بد أن الفتح صارت تصل إليكم، بدأنا إرسالها من العدد 134، وأظن أن ذلك كان بناء على كتابة جاءتنا من بومباي...».
ثم بدأت بعض المطبوعات تعيِّن وكلاء لها في الإمارات وترسل نسخ المشتركين من خلالهم. فهذه مجلة الكويت تذكر أن وكيليها في دبي (الأديبان الفاضلان عبدالله بن علي الصانع والسيد ياسين بن السيد هاشم الغربلي) وقد اشترك في المجلة من خلالهما كل من:
الشيخ سعيد بن مكتوم، الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم، محمد أحمد بن دلموك، عبدالله الصايغ، صالح الخليف، أحمد بن سليم، عبدالعزيز البدر، الشيخ محمد بن عبدالسلام الفاسي المغربي، يوسف بن عبدالله السركال، محمد عبيد البدور، عبدالله مبارك بن سيف الناخي، مبارك العقيلي، علي بن عبد الله العويس، إبراهيم حاجي أحمد بستكي.
وأما مجلة صوت البحرين فكان وكيلها صالح بن عيسى القرق الذي كان أول من افتتح مكتبة لبيع الكتب والمطبوعات في منتصف الأربعينات بدبي.
ومن الاشتراكات أيضاً لأبناء الإمارات الاشتراك الذي سجله كل من علي وسالم أبناء عبد الله بن سلطان العويس ومبارك الناخي في مجلة الأمة العربية التي أصدرها شكيب أرسلان وزميله إحسان بك الجابري في لوزان باللغة الفرنسية، وقد كان هذا الاشتراك بمثابة دعم لأمير البيان.
ولقد كان المثقفون يتبادلون هذه الصحف فيما بينهم فهذه رسالة صادرة من دبي إلى الشارقة في 21/10/1348هـ 1930م تحمل توقيعاً أظنه (عبد الله عبد الوهاب المزين) أحد المدرسين الزبيريين بالمدرسة الأحمدية.
وموجهة إلى السيد مدير المكتبة التيمية (إبراهيم المدفع) يقول فيها: «لأشعركم أنني قدمت لحضرتكم صحبة ناقلة عدد 11 صحيفة عراقية قريبة التاريخ حباً لاطلاعكم على ما يتجدد» وسبقتها رسالة في 14 شوال 1348هـ يقول فيها:
«أحببت أن أتطفل بإهداء ما يصلكم من الجرائد العراقية» وفي رسالة صادرة في 7/11/1348هـ يطلب عدداً من مجلة المنار «راجياً منكم أن تبحثوا لنا عن عدد مجلة المنار الصادر في جمادى الأولى 1348ه».
في مثل تلك الظروف وفي ظل تأخر صدور مجلات وصحف بالمنطقة حتى الستينات، بمحاولة إبراهيم المدفع إصدار أول مجلة عام 1930م والتي صدرت في شكل أوراق مكتوبة بخط اليد. فقد اضطر بعض الشعراء والكتاب إلى محاولة النشر في المطبوعات الخارجية التي كانت ترد إليهم.
فبدأوا يرسلون بكتاباتهم وإبداعاتهم الشعرية والقصصية، وأحياناً استفساراتهم الدينية إلى تلك الصحف والمجلات.ونحاول هنا ان نلقي الضوء على ما أمكن الحصول عليه من كتابات بغية التعرف على مستوى التفكير والابداع، والقضايا التي كانت تشغل بال أولئك الرواد وأسلوب الكتابة لديهم.
إعداد : بلال البدور
