«الأدب الاستشراقي» بلغاته واتجاهاته المختلفة يحتاج إلى غربلة وتقويم، فالشعوب الإسلامية تنتمي إلى حضارات عريقة ولا تقل قيمة عن الحضارة الأوروبية بعض «المستشرقين» لم يزر مجتمعاً واحداً من بين المجتمعات التي تخصص في وصفها وتحليلها. سياسة التوسع العسكري الأوروبي في البلدان الأخرى لم تراع المباديء والمثل العليا للفكر البشري.
نشأ الاستشراق في الغرب على شكل فرق وتيارات، ارتدت جميعاً أثواب «الموضوعية» و«التجدد» والدقة و«النزاهة» و«العلم». ما الذي كانت تخفيه تلك التيارات والفرق، إذا كانت بكل هذا الوضوح؟!
من الصعب جداً ان نجد تطابقاً، بين ما يكتبه بعض الباحثين الغربيين عنّا وعن حضارتنا من تقاليد ومعتقدات، وبين الواقع الذي نعيشه نحن من الداخل. وان كان ذلك أمراً طبيعياً في حد ذاته، فإنه يعود أيضاً إلى الفجوة الفاصلة بين ما تعودنا عليه فاستأنسناه، وما يشاهده ملاحظ خارج عنا كرحالة غربي مثلاً، لا يشاطرنا الأرضية المادية والاجتماعية والفكرية التي ننطلق منها.
ولكن وعلى هذا الاساس فإن كل ما يكتب أو يقال عنا ينبغي ان يهمنا بالدرجة الأولى لأننا نجد فيه صورة ما، سواء كانت صادقة أو مشوّهة، فهي في جميع الأحوال، لابد أن تبعث على التساؤل، وتحض على النقد الذاتي، وتثير الشك البناء في كتابات هؤلاء، والذي يجعلنا نراجع النفس، ونعدّل ما ينبغي أن يُعدّل أو نركز على ما يجب أن يُركّز عليه.
ومن غريب الأمور، وليس من باب الصدف أن يكون هذا التشويه هو الذي تغلغل في الاذهان وراج، وان يكون ما كتب علينا أكثر شيوعاً مما كتب فينا، فالاوساط الشعبية والعالم الغربي والمحافل العلمية ذاتها، حتى الأشد اتصالاً بالعالم الاسلامي، أصبحت متأثرة شديد التأثر بالأساطير والخرافات، التي يتناقلها أصحاب الآراء المغرضة عن المجتمعات الاسلامية. ولعل هذا ما يجعلنا في حاجة ملحة إلى التأمل، ومراجعة هذه الدراسات الاستشراقية لندحض التهم ونرفعها.
غني عن القول أن ادب الاستشراق وفرقه وتنوعه، وتعدد اللغات التي كتب بها والاتجاهات التي سار على منوالها لايزال بحاجة أكيدة إلى غربلة وتقويم، وبقيت بعض المحاولات التي قام بها بعض الباحثين سواء كانوا مسلمين أو المستشرقين انفسهم الى هذه الساعة دون الأهمية التي يكتسبها هذا الموضوع.
وفي الاستشراق فرق وتيارات مختلفة، يرتدي جميعها ثوب «الموضوعية» و«التجرد» و«الدقة» و«النزاهة» و«العلم» ولكنها تخفي حقيقتها على القارئ فلا يفطن إلى ما يتسم به معظمها من ضعف في التحليل ونقص في الاطلاع وتسرّع في اطلاق الآراء المسبقة، الى حد ان الكتابات الاستشراقية تعد اليوم عبارة عن خليط من المعلومات الصحيحة والأخطاء الفادحة.
فالموضوعية العلمية لم تكن كافية لتضع البعض من الباحثين الغربيين في مأمن العنصرية والتمحور حول الفلك الأوروبي الضيق. وجدير بالملاحظة ايضاً أن أجيالاً عدة من الأوروبيين اطلعوا على الاسلام وعلى حضارته من خلال هذا اللون من الدراسات التي طبعت عدة مرات وترجمت إلى كثير من اللغات، بما في ذلك اللغة العربية ذاتها.
ويلاحظ الدارسون لتاريخ الفكر الفرنسي والانجليزي والالماني في غضون القرن التاسع عشر، اقتراناً واضحاً بين دخول الغرب طور التوسع الاقتصادي والجغرافي، وظهور النظريات السوسيولوجية الجديدة. ولا يمكن في حال من الأحوال، ان يعتبر هذا التزامن مجرد وليد الصدف.
إنما هو حلقة من سلسلة طويلة تمتد جذورها إلى عهد النهضة الغربية، لما دخلت أوروبا في مغامرة غزو القارات، والاستيلاء على كل مكان خالٍ من حضارة، واكتشف الغربيون آنذاك عوامل جديدة، أخذوا يتنافسون على احتلالها، ويتسابقون على الاستيطان فيها، فتوسعوا في المعمورة كلها التي تحولت إلى مرتع يقسم ويوزع ويستعمر.
وإذا كان ذلك قد تم بدوافع اقتصادية وعسكرية معروفة. فإن الدول الغربية كانت في حاجة إلى عملية تسويغ لهذا الاحتلال، الذي لم يكن يساير فلسفة الديمقراطية والحرية خاصة وان بعض الاوساط التقدمية لم تكن مقتنعة تماماً بشرعية الحركة التعميرية ولا بضرورة السيطرة الامبريالية.
فان سياسة التوسع العسكري ذاتها، لم تكن تساير أساساً المبادئ والمثل العليا التي بنيت عليها فكرة الرقي البشري، ومن ثم انبثقت نزعة عميقة الرسوخ في الاذهان منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا تقوم بتفاضلية الثقافات والمجتمعات والحضارات والأديان، وآلت في نهاية المطاف إلى نظرية (العقليات)، التي ظلت وكأنها القول الفصل إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. فأصبح من المسلم به.
أن البشرية في تطورها التاريخي وسيرتها الكونية نحو الحضارة اصناف واقسام متباعدة وان الحضارة الغربية تمثل خلاصة التطور بيد ان المجموعات الاخرى لاتزال (بدائية) تعيش طور التوحش والهمجية والقبلية وشتى أوجه الانحلال والجهل والفقر والبؤس والتخلف.
وكان لهذا الموقف تأثيران: اولهما عملي، وثانيهما نظري، اما العملي فإنه يتمثل في كون المجتمعات الاوروبية المتقدمة، لابد وأن تكون (مسؤولة) أمام ضميرها وامام التاريخ عن بقية الشعوب المتأخرة (فواجب) عليها ان تستعمرها، حتى تلقنها معاني الحضارة وتسمو بها إلى مستويات الرقي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
وهذا ما سماه روائي إمبريالي مثل روديارد كبلنغ بـ (حمل الرجل الأبيض)، أو ما كان يدرسه اساتذة الفلسفة الفرنسيون إلى تلاميذ البكالوريا بعنوان (الاستعمار) .
والكلمة بالطبع جاءت من التعمير هنا. واوضح ان كل هذه المواقف ليست في نهاية الأمر إلا محاولات ـ كانت موفقة إلى حد بعيد، لطمأنة النفس، وتوفير راحة الضمير وترك الشعوب المستعمرة فريسة تسيطر عليها الجيوش، ويستغلها اصحاب رؤوس الأموال وأرباب الشركات في سباق محموم لنهب خيراتها.
ولا ندري ان كان قد غاب عنهم ـ ولا نظن ذلك ـ ان الشعوب الاسلامية وان كانت غير غربية، فانها تنتمي إلى حضارات عريقة وقديمة جداً وأصيلة لا تقل قيمة عن الحضارة الاوروبية وغاب عنهم ان هذه الحضارات والثقافات تتفاوت هي بدورها. فمنها ما هو مكتوب ومنها ما هو غير مكتوب، ومنها ما أنجز المعجزات، ومنها مازال يبحث..
وان الموقف العملي الصحيح كان لا بد أن يفضي بالباحثين إلى تفصيل الامور وتصنيفها وتنميطها والدخول في الجزئيات والفروق بين الحضارات والثقافات بعد مقارنة بعضها ببعض وفهمها من الداخل ضمنياً وذاتيا بعد مقارنتها بالحضارة الغربية.
ومما زاد هذا الاشكال تعقيداً بنظر المستعمر ان هذه الشعوب الاسلامية المغلوبة، المهزومة عسكرياً، أو التي تحت (حماية) الدول الغربية لم تخضع ذهنياً وعقلياً لسيطرة الغرب عليها. وفي هذا الإطار يتضح ان هذه الشعوب المستعمرة، لن تستسلم، وان الصراع الاستعماري بين الغرب والشرق ليس في نهاية الأمر إلا طورا من اطوار الصراع القديم بين اوروبا والعالم الاسلامي.
ومن اجل كل هذا كان لابد من ان ينتقل علم الاجتماع، من طور دراسة الشعوب الاسلامية ومعرفتها إلى مجرد (تطبيق) علم اجتماع البدائيين عليهم. يقول ريني موني (rene maunier) حرفياً في مشروع برنامجه عن (علم الاجتماع الجزائري) إن موضوع بحوثه في هذا الصدد، لا يختلف جوهرياً عن البحوث، التي قام بها ساباتييه (sabater) من قبله تحت عنوان «علم الاجتماع الأهلي» ويستطرد موني في عرضه فيقول:
«لنا مصلحة نظرية وتطبيقية لنتعرف على حياة الشعوب الجزائرية، أولاً لانه من حقنا ومن واجبنا نحن الفرنسيين، أن نعرف ونفهم جميع الشعوب التي نحميها وندير شؤونها، ولا نتوقف ابداً عن القيام بالواجب نحوها، فالاستعمار الفرنسي هو الذي دفع بالدراسات السوسيولوجية وان مبشرينا لافيتو وشارلوفوا (lafitau et
charelevois) أسسا البحوث الاجتماعية في أميركا كما اسستها في افريقيا جيوشنا وحملاتنا الاستكشافية. وفي الجزائر نجد أن ماسكراي (masqueray) وداوتي (doutte) قد تركا اعمالاً مجيدة بحق.
ونريد أن تنظم الدراسات الاثنوغرافية في اطار مؤسسة عمومية لما في تنظيم هذه الدراسات من غايات مادية تطبيقية ايضا، باعتبار ان العلم مصدر للنفوذ وللحكم فان المعرفة تصبح وسيلة لابد منها للعمل، وكم من اخطاء ارتكبناها معا وكم من جرائم وقعنا فيها، وكان بالإمكان تجنبها لو كان أعواننا على بينة من سبل التفكير الاهلي وعلى اطلاع على نوعية البشر التي اوكلت اليهم رعاية شؤونهم».
فمثل هذه الخلفية التي بسطها ريني موني بكامل السذاجة والبساطة تمثل المنطق الحقيقي لمعظم الدراسات الاجتماعية الاستشراقية عن المجتمعات الاسلامية المستعمرة.
اما ليفي برول (henri levy bruhl) صاحب نظرية العقلية البدائية، والتي كتب فيها أكثر من عشرة مؤلفات ودرسها طيلة ثلث قرن في جامعة (السوربون)، فلم يزر ابدا ولو مجتمعاً واحداً من بين المجتمعات التي تخصص في وصفها وتحليلها، ذلك ان البحوث الميدانية لم تكن مواكبة لعملية التنظير كما نتصور اليوم، بل كانت تقوم في أكثر من حالة على مجرد الصدف.
أما الباحثون في الميدان فكانوا يعتبرون شهود عيان، لمجرد وجودهم في الميدان، الا انه ينبغي ألا يغيب عنا جهل الاغلبية الساحقة باللغة العربية، فكانوا يعتمدون على المترجمين من ابناء البلد ذاته، وحتى هؤلاء المترجمين رغم معرفتهم اللغة المحلية، قد لا يقدمون أقوالاً معقولة أو عقلانية أو صحيحة عن مجتمعاتهم ذاتها.
وقد لا يأخذون الأمر مأخذ الجد، ولا يعيرونه ذلك الاهتمام، ولذلك لم تكن صلة هؤلاء الباحثين بالوسط الاجتماعي المدروس صلة مباشرة بدورها، وانما كانت تمر عبر وسطاء ان لم يكونوا اميين بكل معنى الكلمة، فان ملكاتهم (العلمية) والمعرفية في ميدان البحث كانت محدودة جداً.
ولا غرابة اذن، ان نجد هذا التراث مشحوناً بشتى الأقاويل والاكاذيب والخرافات، ولعل السبب في ذلك يعود أيضاً إلى طرق تجميع المعطيات التي لم تكن لتقوم على اساس ثابت، فاصبح الغث منها يختلط بالسمين، بل كانت من أجل ذلك تنال إعجاب القراء الذين يجدون في هذا الوصف.
وهذا التحليل العلميين مسوغات لشعور التفوق و(الاستعلاء) وهذا الشعور كان يزيد الاستشراق بدوره تأثيراً فيعجب به القوم من جديد ويتمادى الباحثون في مواصلة بحوثهم في حلقة دائرية تغذي نفسها بنفسها.
إعداد: عمار السنجري

