تحملت عبء الحياة حينما ضاقت بغيرها، بصبرها وبإنسانيتها وعطفها وحنانها استطاعت أن تسكت ثورة سكنت مخيلتها، حينما ساقها القدر من الكويت إلى دبي ثم إلى الشارقة.

وهي في ريعان شبابها لا تتجاوز الرابعة والعشرين من عمرها، تلك الرحلة التي أخذتها دون زوجها فقبلتها، رغم صعوبة ظروف تلك الفترة في العام 1964،الدكتورة زليخة داوود اختصاصية التوليد والأمراض النسائية عاشت إلى جانب مواطني الشارقة أربعين عاماً.

وأسهمت في توليد أكثر من 15 ألف امرأة وحملت بين راحتيها المواليد الجدد مع تهنئة الأمهات على قيامهن بالسلامة واستمرت في رسالتها الإنسانية حتى عام 1993، مرت خلالها بمواقف محفوفة بالصعوبات والمخاطر وتمكنت من التغلب عليها بفضل خبرتها الطويلة.

في عام 1964 أوفدتها حكومة الكويت إلى الإمارات كطبيبة متخصصة في التوليد والأمراض النسائية، تركت عملها في مستشفى المهمات الأميركية هناك، بعد أن مضى على مجيئها من الهند نحو عام ونصف، وحملت طفلتها الصغيرة التي أنجبتها في الكويت وجاءت إلى الإمارات وبقي زوجها وحيدا، وبدأت رحلة عملها بالمستشفى الكويتي في دبي، الذي كان يضم آنذاك ستة أسرة فقط .

وتؤكد انه لم يكن هناك فرق كبير بين الكويت المتقدمة في تلك الفترة وبين دبي، أما في الشارقة فكانت الحياة فيها أشد قسوة، حيث لم تصلها الكهرباء وبالتالي إنعدم وجود «التكييف» مع قلة الطرق الممهدة وعدم كفاية مياه الشرب ، وذلك في فترة ما قبل اتحاد الإمارات ، وكانت حكومة الانتداب البريطاني تمنح تأشيرات الدخول.

هذه العوامل منعت العديد من الأطباء في دبي عن التفكير في العمل خارج الإمارة، وجميعهم رفضوا الذهاب إلى فرع عيادة تابعة للمستشفى الكويتي في الشارقة، لكن الدكتورة زليخة كانت نظرتها أكثر صواباً، وقبلت التضحية.

وانتقلت إلى العمل في الشارقة بمجرد أن طلب منها مدير المستشفى ذلك في 12 أغسطس من عام 1964، وصارت تعالج النساء والأطفال وحتى الرجال في الشارقة خلال الفترة الصباحية، ثم تنتقل إلى دبي للعمل في المستشفى مساءً، ولا تغادر إلى بيتها حتى تنتهي من معالجة جميع المرضى والمراجعين.

وعملت الدكتورة زليخة في عيادة المستشفى الكويتي لفترة وجيزة، لكنها تعلقت بالمكان وزاد حبها ورغبتها في البقاء، وأدركت حاجة المواطنين وقتها لمن يقف إلى جانبهم ، وبدأت تشعر بأن الجميع يتعلق بها ويثق بإنسانيتها، وكما تقول لم يكن وقتها في الشارقة سوى عيادة واحدة لتوليد النساء تتخذ من السوق القديم مقراً لها، وكانت تضم ممرضات من الولايات المتحدة الأميركية.

* عيادة خاصة

في العام 1966 استقرت الدكتورة زليخة في عيادة صغيرة في شارع العروبة، وعالجت أعدادا كبيرة من مواطني الشارقة، وخصوصاً النساء، وحتى الأطفال والرجال كانوا يثقون بالعلاج الذي تقدمه.

ومن لا تستطيع مداواته كانت ترسله إلى مستشفى آل مكتوم في دبي، ولم يكن في تلك السنوات طبيب خاص في الشارقة، فاضطرت لتولي هذه المهمة، وشرعت في تقديم العلاج للمصابين بالأمراض المعدية ومدمني المخدرات والكحول.

وتثمن الدكتورة زليخة وقفة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، لما قدمه من دعم لها، ولمساعدتها في تحقيق مجدها الطبي الذي اشتهرت به.

الدكتورة زليخة كانت تمثل المستشفى والإسعاف وطبيبة العائلة بالنسبة لسكان الشارقة، ففي عيادتها المتواضعة استقبلت العديد من النساء من مختلف إمارات الدولة، إضافة إلى مسقط والبريمي كما تقول، حتى أن بعض النسوة كن يلدن في الطريق إلى العيادة، ورغم قلة الإمكانات في تلك الفترة إلا أنها استطاعت وبطاقة كبيرة من الصبر والمثابرة أن تساعد الجميع.

وتضيف أن الكثير من العائلات في الشارقة كانت تتردد في إرسال النساء إلى المستشفيات أو العيادات في حالات الولادة، وهو ما يفرض عليها التوجه إلى بيوتهن من أجل مساعدتهن، وحتى إذا كانت الحالات صعبة وتحتاج إلى المستشفى، فإن الرجال كانوا يرفضون ذلك.

ويصرون على الولادة في البيت، عندها ترى الدكتورة زليخة الحالة وتعاينها، فإذا كان بإمكانها القيام بالعملية مع وجود نسبة نجاح قليلة تفعل ذلك، أما إذا رأت الحالة صعبة فتتصل بالشرطة من أجل مساعدتها في إقناع الرجل بإرسالها إلى المستشفى.

* العناية بثلاثة أجيال

هذه الطبيبة ظلت على مدار أكثر من أربعين عاماً إلى جانب الجميع، فلا تبخل على أحد بالعلاج ما دام بإمكانها تقديمه، ولا تتردد في أن تداوي من يطرق بابها، فكان عدد من ولدتهن أكثر من 15 ألف امرأة.

وفي كل ليلة كانت تسير إلى أحد البيوت من أجل التوليد، ولم تتذكر الأشخاص الذين ولدتهم رغم أن الجميع في الشارقة يعرفها ويحترمها، ففي عام 1966 ولدت إحدى الأمهات ثم في الثمانينات ولدت ابنتها ، وحديثاً ولدت ابنة البنت، فهي الطبيبة التي عاصرت ثلاثة أجيال.

استمرت الدكتورة زليخة منذ عام 1964 حتى اليوم على وتيرة واحدة من الإخلاص والتضحية، فالشارقة كانت المكان المناسب والبيئة الخصبة لمهنتها، حيث لا توجد المستشفيات أو المراكز الصحية.

وهو ما كان محفزاً ومغرياً في الاستمرار والعطاء والتقدم، وسابقاً كان العلاج عندها لا تتعدى مصاريفه العشرة دراهم،أما الولادة فكانت تكلف نحو 500 درهم، لكنها الآن وصلت إلى نحو ألفي درهم.

الدكتورة زليخة جاءت إلى الإمارات من الكويت ولم يكن معها سوى ابنتها الصغيرة التي أنجبتها هناك، ثم بعد فترة أقل من عام أنهى زوجها الطبيب أيضاً عمله في الكويت ولحق بها، وبعد ثماني سنوات من عمر ابنتها الأولى أنجبت ولداً ثانياً، وهو الآن في الولايات المتحدة الأميركية ويعمل هناك كاستشاري لأمراض السرطان، في حين تمردت ابنتها على واقع الطب وقررت دراسة التجارة والاقتصاد.

وقبل ذلك وفي بداية الثمانينات تحديداً، فكرت الدكتورة زليخة بمغادرة الشارقة، وأخذت تهيئ نفسها لهذا الغرض، لكن مواطني الشارقة أصروا عليها ألا تترك البلد وأقنعوها بالبقاء إلى جانبهم، ولم تستطع مقاومة رغبتهم الحقيقية، فلبت طلبهم وعدلت عن الفكرة تماماً.

وفي العام 1993، وبعد أن تطور عمل العيادة وزاد الإقبال عليها لم تعد تتسع للحالات التي تعالجها أو تولدها، وفي الشهر الواحد كانت تقوم بأكثر من تسعين حالة ولادة، وهو ما جعل صاحب السمو حاكم الشارقة يطلب منها أن تحول العيادة إلى مستشفى، فكان ذلك بدعم صاحب السمو ومساعدته.

بدأ مستشفى زليخة في الشارقة بثلاثين سريراً، وبخدمات أساسية كالتوليد والأمراض النسائية والجراحة الباطنية والأطفال، والآن توسع وأصبح يضم مختلف الأقسام، ثم فتحت فرعا آخر للمستشفى في دبي.

وأربعة مراكز طبية في دبي والشارقة وثلاث صيدليات أخرى، أما الدكتورة زليخة فتجلس اليوم بمكتبها في مستشفاها بالشارقة، وتشرع بابها لاستقبال الجميع، ولا يتردد الكثير من المواطنين في الدخول إلى مكتبها وتبادل الحديث معها أو توصيتها بالاعتناء ببعض أقاربهم، حيث لا يزال معظمهم يتذكرون تماما المواقف الأصيلة لها.

* سأموت هنا

الطبيبة زليخة أعجبت باحترام وتقدير المواطنين لها، وتقول: كانت وما زالت معاملة المواطنين لي رائعة للغاية، والاحترام والطيبة صفات متجذرة فيهم، وأنا عشت معهم أوقاتاً كانوا فيها أناساً عاديين لا يملكون إلا الكلمة الطيبة، أما اليوم فتبدلت حياتهم.

وانقلب فقرهم إلى غنى، وأصبحوا يعيشون في عصر غير الذي عرفوه، لكنهم لا يزالون متشبثين بالصفات الإيجابية نفسها، ولا تزال تتملكهم ملامح الطيبة والأصالة، التي لا تدل إلا على تواضعهم وإنسانيتهم.

وتختتم: فكرت قبل سنوات بترك هذا البلد وبالرجوع إلى الهند بعد أن بدأت أشعر بحاجتي النفسية إلى ذلك، لكن مواطني الشارقة اعترضوا طريقي وأجبروني على البقاء معهم، أما اليوم وقد صارت تربطني بهذه الأرض علاقة غير التي كانت سابقاً، فلم ولن يتبادر إلى ذهني العودة أبداً، وأفضل أن أموت وأدفن في هذا البلد الذي عرفت عنه كل شيء كما لو أنني ولدت فيه.

عنان كتانة