لا يعتبر شهر رمضان الفضيل مائدة طعام يتحلق حولها أفراد العائلة، بل هو طقوس وعادات روحانية يعيش خلالها العالم الإسلامي في مناخ العبادة والتقوى. وشهر رمضان قد يكون أنسب الأوقات ليعود المسلمون فيه إلى تعاليم دينهم.
والنهل من فيض شريعتهم السمحاء واتباعها واستلهام ما فيها من قيم نبيلة غيبتها المدنية الزائفة. وكان حديثنا مع عدد من الشابات محاولة جادة للاقتراب من هذه الفئة ومعرفة انطباعاتهن وعاداتهن اليومية في الشهر الفضيل الذي يطل ضيفاً عزيزاً على كل بيت مسلم مرة كل عام.
كلودين نعيم من كلية الصيدلة في جامعة الشارقة تعترف أن التطور في العالم استطاع أن يفقد الشهر الفضيل الكثير من طقوسه المتميزة كظاهرة المسحراتي التي باتت شبه معدومة في الوقت الذي كانت فيه أجمل ما في الشهر.
مشيرة أيضاً إلى أن الممارسات والمفهوم الخاطئ لرمضان حولته إلى شهر للسهر والسمر ولقاء للأصدقاء في الخيم الرمضانية التي باتت ملازمة لرمضان، وقالت إنها تقسم وقتها في المذاكرة والصلاة ولقاء الأهل والأصدقاء.
وترى زميلتها حنان زهير أن أهم ما يميز المسلمات في شهر رمضان لا سيما طالبات الجامعة احترامهن التام له، فالطالبات لا يلبسن إلا المحتشم وتكثر الخطى إلى بيوت الله، كما تغيب بعض الأمراض الاجتماعية كالنميمة والنفاق وتزداد العلاقات العائلية لحمة ومتانة ويحرص الجميع على التحلق حول مائدة الإفطار ومشاركة بعضهم البعض تلك الأيام.
وذكرت أنها من المتابعين للبرامج التلفزيونية الخاصة برمضان معترفة بأنها تأخذ جل وقتها تقريباً، وعن أجمل ما تراه في رمضان قالت إنه يلقي بظلاله عبر سلوكيات مشتركة على نفوس المسلمين الذين يحرصون على تأدية الواجبات الدينية دون تقصير والتقرب إلى الله عبر الدعاء والزكاة كما يزورون أرحامهم مما يبعث على الهدوء والسكينة ويعيد للمجتمع المسلم لحمته ووحدته التي فقدها.
من وجهة نظرها تعتقد مي مطر أن رمضان فقد البريق الذي كان يميزه وأصبح انتظار غالبية الناس له بسبب ما يرافقه من أجواء هي أبعد ما تكون عن الدين كالسهر الطويل ومشاهدة سيل البرامج التلفزيونية التي تتسابق المحطات إلى إعدادها لشهر رمضان إضافة إلى الطعام الذي يأخذ الحيز الأكبر من تفكير الكثيرين.
وعن العادات التي تمارسها بعيداً عن الوطن قالت إنهم برغم البعد القسري ومغادرتهم لأوطانهم الأصلية ما زالوا يحتفظون بطقوسهم الرمضانية التي تتميز بمشاركة إعداد مائدة الإفطار والذهاب إلى المسجد سوية للصلاة والاعتكاف فيه في العشر الأواخر من الشهر والسهر ليلاً مشيرة إلى أن لقاء الأقرباء والتقرب إلى الأرحام ميزة استثنائية تضاف إلى الميزات الدينية التي يتسم بها الشهر الفضيل.
* الخيم متنفس
وتؤكد شهد هاشم وهي طالبة لاتزال على مقاعد الدراسة أن الشباب يتشاركون في اهتمامهم وتوجهاتهم فالخيم الرمضانية تغدو المتنفس الوحيد لجيل الشباب والمقصد المفضل لديهم كما أن متابعة البرامج المتنوعة على الفضائيات تعتبر أحد أكثر الأمور المستحبة على قلوبنا، وترى أن التقاء الأهل والأصدقاء هو الأجمل في رمضان.
وتشعر أمينة محمد من جامعة الشارقة أن طقوس رمضان في الدول الإسلامية لا تختلف عن بعضها البعض فكل الممارسات تنصب بشكل أساسي في ممارسة العبادات واستثمار الشهر في الصلاة والتعبد وقراءة القرآن.
وترى أن بعض المظاهر التي ارتبطت برمضان قد اختفت تماماً مع أنها تمثل أحد رموز الماضي الجميل كالمسحراتي الذي كان يطوف في الشوارع ليوقظ الناس قبيل آذان الفجر بضربه على الطبلة وترديد بعض العبارات مثل «يا نايم وحد الدايم» و«السحور يا عباد الله».
وإنشاد أغانٍ طويلة من المديح النبوي والتسابيح والابتهالات حيث تعتبر اختفاء سطوة المسحراتي في رمضان خسارة كبيرة على الرغم من أن صوته لا يزال يصدح في بعض المدن بقوة.
وتحاول الطالبة مريم إبراهيم الابتعاد قدر الإمكان عن متابعة برامج التلفاز التي ترى أنها من أكثر الأمور التي تشد انتباه الصائم خلال الشهر الفضيل، إذ تقوم الفضائيات باختيار أجمل البرامج والمسلسلات، الأمر الذي يجعل متابعتها من الأمور الأساسية في أجندة الشباب، مضيفة أن الفتيات يبتعدن خلال رمضان عن استغابة الآخرين والنميمة التي تشكِّل جزءاً من حياتهن اليومية.
* أجواء روحانية
وتبكي عائشة الخاجة من جامعة الشارقة شهر رمضان عندما ينتهي كأنها تودِّع عزيزاً رحل عنها، وترى أن أجمل صوت تسمعه فيه هو مدفع الإفطار الذي يأذن للناس جميعاً بتناول ما قسمه الله مجتمعين على مائدة واحدة في جو روحاني عائلي يبث في النفس الطمأنينينة والارتياح.
وتضيف قائلة إنه على الرغم من الظروف الصعبة التي يعاني منها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، قد يكون رمضان المناسبة التي يعوِّل عليها الكثيرون في جمع المسلمين ليتدارسوا واقعهم عبر التبصُّر والتدبُّر والعودة إلى تعاليم الدين التي من دونها لن يعود عز الإسلام والمسلمين أبداً، وتلفت الخاجة إلى نقطة مهمة حيث تشير إلى ما يقوم به الناس من ممارسات تُعتبر انتهاكاً صارخاً لحرمة الشهر كالسهر الطويل في المطاعم والخيام الرمضانية.
ومتابعة السيل الجارف من الأعمال التلفزيونية التي لا يتلاءم محتواها مع رمضان، إضافة إلى الاهتمام الكبير بالمائدة الرمضانية والتبذير فيها مع أن الله نهى عن التبذير ودعا إلى الاقتصاد والموازنة في كل شيء.
ولعل أهم ما يميز شهر رمضان من وجهة نظر الطالبة مفيدة محمد من كلية الآداب قسم اللغة العربية في جامعة الشارقة هو الجو الروحاني الذي يدفع الناس إلى تنظيم أوقاتهم بين العبادة والاجتماع على مائدة الإفطار وهذه الأخيرة تمثل في حد ذاتها وسيلة لإعادة اللحمة بين العائلات.
لا سيما التي قلّما تجتمع في مكان واحد وتعاني علاقاتها من الضعف والتفسُّخ، وترى أن رمضان يتضمن نظاماً إلهياً شاملاً يوحِّد المسلمين أينما كانوا وفي أية بقعة على الأرض حيث يصومون في النهار ويقضون وقتاً طويلاً في الصلاة وقراءة القرآن في محاولة للتقرُّب إلى الله الذي يفتح أبواب السماء لعباده التقاة.
من جانبها، تعمل الطالبة حياة جمال على تحقيق أكبر فائدة ممكنة على الصعيد الديني حيث تسعى إلى ختم القرآن أكثر من مرة والاعتكاف في المسجد لأداء صلاة العشاء والتراويح، مشيرة إلى ابتعاد الطالبات بشكل عام عن بعض السلوكيات غير المستحبة كالنميمة واستغابة الآخرين، متمنية أن يكون هذا السلوك مستمراً .
ولا يقتصر على الشهر الفضيل فقط. وتصف هند المحمود شهر رمضان بالمحطة القصيرة التي يتوقف فيها كل مسلم لمراجعة ما قدم وما اقترف من أخطاء بحق نفسه ودينه وتجده فرصة لتنقية النفوس وتطهيرها من كل ذنب.
وموسم مهم يساعد الكثيرين في مواجهة المشكلات سواء النفسية أو الاجتماعية التي تواجههم والسعي إلى حلها، وتدعو المسلمين إلى النظر بصورة أعمق إلى رمضان بدلاً من حصره في أفق ضيِّق لا يتجاوز مائدة الإفطار والنوم لساعات طويلة والتطلُّع إليه كشهر مبارك تتم فيه بداية جديدة لكل إنسان.
وتشارك الطالبة علياء الشامسي زميلاتها الرأي وترى أن سلوكيات بعض المسلمين الشرهة التي لا تمت بصلة لرسالة وأهداف الشهر الفضيل تحتاج إلى إعادة نظر، خاصة تلك التي تنتشر بين شريحة الشباب والمتمثلة في السهر ومتابعة الأفلام والمسلسلات واعتقادهم أن الصوم هو امتناع عن الأكل والشرب فقط، في حين أن رسالة رمضان أعظم وأكثر عمقاً وروحانية.
نورا الأمير
