زارت الكاتبة غادة السمان باريس مرات عدة منذ العام 1964 بل انها عاشت فيها لاحقا ما يقرب من عقدين من الزمن ولا تزال لفترات متقطعة غير أن لا شيء يضاهي نكهة الزيارة الأولى حين قيض للكاتبة العربية أن تقارن بين صورة مسبقة لباريس في ذهنها وبين صورة راهنة تختبرها ميدانيا وحين قررت أيضا أن تخرج عن المسعى النمطي للسائح العربي في فرنسا فتترك العاصمة لتتوجه إلى الريف. وهنا بعض حصيلة كل ذلك.
تقول غادة السمان في مستهل أول نص كتبته عن واحدة من أولى زياراتها إلى باريس ان أول ما طالعها في العاصمة الفرنسية جعلها تتساءل: «ماذا حدث للفرنسيين؟
ولماذا تراهم يشوهون عاصمتهم بهذه الصورة؟ فمن أين أتى هذا الاحتجاج؟ أتى على الفور من واقع أن الأبنية بدت لها في باريس كما في المدن الكبرى العريقة جميعا «تحمل أحجارها آثار الزمن هبابا أسود..تبدو رمادية اللون معتقة الزوايا».
بدا لغادة أن تاريخ الشعب كله» مكدس في زوايا الجدران: كل ذرة مغبرة أنشودة نصر أو حكاية هزيمة. كل موضع رصاصة قصة محارب كل حجر أسطوانة سوداء سجلت فوقها ملايين الصرخات والظلال، ولحظات الصمت والتحفز».
بالنسبة إلى الكاتبة العربية التي كانت ترصد عاصمة النور، عبر وعي مسبق آت من الشرق كان في كل ذلك آثار لـ «المناقشات والخطط التي تحولت ذات يوم إلى ثورة وبدت فيها «أسئلة مشحونة باللهفة على أخبار نابليون» .
وأيضا «مناجاة امرأة ترتدي ثوب «شارلستون» وتضع على رأسها نقابا من الشبك الأسود مع رجل طويل السالفين يضع على رأسه قبعة مرتفعة ويرجو سائق عربته التمهل بينما يعلو من مقهى مجاور خشبي الواجهة لحن «الكومبارسيتا» ممزوجا «بأبخرة الشراب».
أمام هذه الصورة المسبقة المطعمة بألف لون ولون والآتية من عبق زمن قديم كانت غادة السمان تعرفه وتعيشه قبل زمن طويل من وجودها في العاصمة الفرنسية كان من الطبيعي لها أن تدهش إذ رأت العمال وقد تسلقوا سلالمهم وحملوا مساحيق التنظيف الأميركية «ينظفون» بها جدران ماضيهم و «يمسحون آثار الأعوام عن وجوههم المغبرة الفنية بإيحاءاتها».
فكانت النتيجة كما رأتها كاتبتنا على الأقل إن بدت «الأبنية التي تم تنظيفها هجينة المنظر كأنها لم تحمل ذات يوم بصمات النار والريح والشمس والناس. كأنها لم تكن ذات يوم سجلا ثمينا وصفحات حية أو نصبا تذكاريا لتاريخ شعب عريق».
وإذ لاحظت غادة، بغضب عارم أن العمال ظلوا «يطلون باريس بالبودرة يبيضونها» تساءلت عما إذا كان في إمكان المدينة بعد أن تنقذ نفسها بنفسها.
ورأت أن ذلك المشهد يذكرها بمنظر رجل جاهل يحاول تنظيف وعاء اثري وجده في حديقته ورأى ضرورة تلميعه وتجديده دون أن يدرك أن قيمته تكمن في بصمات التاريخ عليه. تساءلت غادة السمان: «ترى هل تنقذ المدينة نفسها قبل أن تتحول إلى ما يشبه المدن الكرتونية التي تبنى داخل استوديوهات هوليوود؟».
وتستطرد الكاتبة: «إذا استطاع الفرنسيون ان يبرروا عملية شد الوجه هذه لباريس بحجة النظافة لا اعتقد ان في وسعهم ذلك بالنسبة إلى قلاعهم وقصورهم الأثرية. قصر شامبو مثلا رأيته وقد تم تنظيف نصفه فصار ناصع البياض مثل عجين لم يخبز. وصار التناقض في هيئته مزعجا بعد ان فقد الانسجام بين طراز بنائه القديم ونظافته المستحدثة».
وتفيدنا غادة هنا متحدثة عن القصر أن فيه عشرات اللوحات والمقاعد والسجادات الأثرية التي نجت إلى حد ما من حريق ترك آثاره فيها فـ «هل يفكرون أيضا بإرسالها إلى مصبغة للتنظيف على البخار أم أنهم سيبدلونها بستائر مودرن ومقاعد سليب كونفورت؟».
هنا تتساءل غادة السمان عما حملها إلى قصر شامبو هذا والى اورليان وتور وشارتر؟ فتجيب أن الدافع هو أنها أصلا لم ترد أن تمكث في باريس طويلا «فقد مضيت إلى الريف لألتقي بالفرنسيين لا بالوجه السياحي لفرنسا فقط».
في الريف التقت كاتبتنا بفرنسا الحقيقية «بأبنائها ونسائها الذين يبنون مجدها بصمت» ولعل أول ما لاحظته هو أن لا أثر للتهتك في الريف الفرنسي فرابطة الأسرة هناك قوية وسطوة الدين لا تزال مهيمنة و«المرأة في الريف شيء يختلف تماما عن الصورة التقليدية التي رسخت في أذهاننا عن المرأة الفرنسية قياسا على ما نسمعه عن باريس أو نراه فيها».
ورأت غادة السمان المرأة الفرنسية الحقيقية خادمة في مطعم أو تدفع عربة أطفالها في الشارع وفتاة في أبهى حلة ذاهبة إلى الكنيسة وزوجة تتأبط ذراع زوجها وفلاحة وبائعة «وهي كانت في الحالات جميعها امرأة عاملة .
ولم تكن نحيلة القوام كما نخال لأنها تعمل حقا كالرجل ولا وقت لديها لحساب الوحدات الحرارية الموجودة في قطعة البنكيك. ولم تكن متهتكة أو مبتذلة وإنما رأتها بسيطة المظهر واللفتات واعتقد ان حقيقتها الرائعة هذه تخيب دوما آمال الذين يسمعون كثيرا عن المرأة الفرنسية .. يسمعون أساطير عنها ويبنون على هذه الأساطير الكثير من الآمال».
تصارحنا غادة هنا بأنها احترمت المرأة الريفية في فرنسا كما احترمت المرأة العاملة في باريس وهذه الأخيرة بدت لها، مختلفة كثيرا عن تلك الموضوعة في واجهات مخازن بعض شوارعها للدعاية.
وشأن باريس في ذلك شأن أي عاصمة سياحية أخرى كبيروت مثلا. المرأة الفرنسية «الغانية» التي تجتذب الرجال من جميع أنحاء العالم هي الطبق الذي يطهوه الفرنسيون لضيوفهم فقط ولا.. يتناولونه». ومن هنا ترى غادة السمان أن ذلك الطبق يختلف «تماما عن طبقهم الشعبي الشائع الذي هو المرأة المحترفة ذات الضحكة الحلوة والوجه النظيف والقامة الممتلئة».
وفي هذا الصدد تلاحظ الكاتبة العربية مثلا أن مدينة أورليان تنام بأكملها قبل حلول العاشرة ليلا.. وليس فيها ملهى واحد أو علبة ليل.أما مكان التسلية الوحيد في هذه المدينة فهو دار للسينما كما كان الحال في حمص السورية أو في أية مدينة عربية محافظة.
مع ذلك تقول غادة «لم يخل شاطئ نهر اللوار من مشهد عاشقين انتقيا ركنا مظلما يتبادلان فيه القبلات». ولقد ذكر هذا المشهد الرومانسي غادة السمان بأنها مع هذا لم تر «أي عاشقين يستعرضان عواطفهما في النهار على مسرح الشوارع» أمام أنظار المارة!
وتنتقل الكاتبة من حديث المرأة إلى حديث الطعام المفخرة الفرنسية الدائمة لتقول لنا أن آخر ما يثير اهتمام الغريب في المطعم الفرنسي هو الطعام نفسه حتى ولو كان جائعافالمطعم الفرنسي هو في حد ذاته قمة في الذوق والترتيب .
ومتحف لعراقة الشعب وحضارته. فمن صحن علقه الأب على الحائط إلى مقعد أنيق في الركن انتقاه الجد وستارة خلفه عقصت بطريقة خاصة إلى لمسة خاصة في أسلوب ترتيب المكان.
. وإذ تصف غادة السمان الأمور على هذا النحو راصدة بعينين مبهورتين أمورا لا يفوتها ان تؤكد ان لا استثنائية فيها بل هي من صميم علاقة الفرنسي بالمكان كفضاء لحريته وليس فقط كمورد رزق له تقول لنا ان «هذه الأشياء تجعلنا نحس بأن الجمال الحقيقي لا يصنعه مهندس الديكور وإنما هو حصيلة أذواق متعاقبة وزبدة فنون أجيال».
وإذا كانت المطاعم على هذا النحو الملفت والأنيق فان الطرقات «في أنحاء فرنسا كلها منظمة بشكل يدعو إلى الدهشة. حيث أن الغريب يستطيع أن يتجول فيها من مكان إلى آخر دون أن يضطر إلى سؤال إنسان عن الدرب إذ انه» لا يقطع عشرة أمتار إلا ويجد لوحة تحمل رقم الطريق الذي هو عليه. ولا يعبر مفترق طرق إلا ويقرأ إلى أين تقود كل درب.
انها تحرم الإنسان من لذة أن يضيع! ويبدو أن الإنسان يحب أن يضيع أحيانا ليكتشف دربه بنفسه. أما أنا فقد قدرت هذه الدقة وأعجبت بها ولكنني أحببت الطرقات أكثر لو تركت لي شيئا. الدرب الوحيدة التي تمنيت أن أسير فيها كانت ضيقة تبدأ بلافتة تقول: طريق لا توصل إلى أي مكان.. تجنبها.
