لم يكن المسجد في يوم من الأيام مجرد مكان للصلاة يستقبل المصلين في أوقات الصلاة ويغلق أبوابه فيما بينها كما هو حادث في معظم أقطارنا العربية والإسلامية، فمنذ تأسيس المسجد النبوي الأول بالمدينة المنورة وإلى مشارف العصر الحديث، كان المسجد هو نواة العمران بقدر ما كان مركز ترابط الجماعة الإسلامية .
ومناط هيكلها المادي الملموس، ففيه يلتقى أعضاء هذه الجماعة للصلاة وأيضا لتبادل الرأي في شؤون الدنيا والدين ويقصده الكافة للوقوف على أخبار جماعتهم، ويلتقون فيه مع رؤسائهم أو يتجهون إليه لمجرد الاستئناس بالجلوس في أحد أركانه، بالجملة كان المسجد ضرورة دينية وسياسية واجتماعية لجماعة المسلمين ولأفرادها أيضا.
وقد لعب المسجد أدوارا حيوية في مسيرة الحضارة الإسلامية بوصفه الشيء الوحيد الذي تمتلكه الجماعة بصورة مباشرة بغض النظر عن الجهة أو الفرد الذي قام بتشييد البناء ومن ثم وبفضل استقلاله الكامل عن سلطان الدولة أسندت إليه الأدوار التي تستلزم تجنب ضغوط الحكام.
فكان المسجد هو مقر القضاء، باختيار القضاة أنفسهم ليكونوا بمنأى عن توجيه الطلب للحكام ببناء مكان خاص للقضاء، وجلس هؤلاء ليباشروا أعمالهم في العلن أمام المسلمين كافة، ويصدرون أحكامهم تاركين للحكومة تنفيذها عن طريق الأعوان الذين كانوا يقفون بباب القاضي ويطيعون أوامره، ولقد كان ذلك سببا في اكتساب القاضي وخاصة في القرون الأولى سمعته الطيبة التي عمت الآفاق.
ولأن العلم ونشره كان مسؤولية جماعة المسلمين فقد اتخذت المساجد كمقار للتعليم وتكفل المسلمون بمعاش المعلمين سواء أكانوا يدرسون للصبيان مبادئ القراءة والكتابة ويحفظونهم القرآن أو شيوخا أجلاء يدرسون لطلابهم في المسجد علوم القرآن .
والحديث والفقه واللغة العربية وآدابه وظلت المساجد حتى منتصف القرن الخامس الهجري بمثابة المدارس التي شهدت حركة علمية غزيرة الإنتاج إلى أن ظهر نظام المدارس برواتب موظفيها المدفوعة من الدولة، أو أوقاف الأمراء والخلفاء.
لقد ضمنت هذه البداية للعلم في العصور الإسلامية الأولى كفاءة العلماء من ناحية أخرى ولا شك أنه لو كانت الأمة الإسلامية تركت العلم لرجال الدولة لما وصل إلى هذا المستوى من الرقي والذي يشهد به مؤلفو كتاب معتبر مثل «تراث الإسلام».
ولم يكن المسجد مقرا لمؤسستي القضاء والعلم فحسب بل كان أيضا قبلة الزوار والغرباء من العلماء والرحالة والتجار، وتشهد بذلك كتابات كبار الرحالة المسلمين كالمقدسي وابن جبير وابن بطوطة والبغدادي، فقد كانت عادة أمثال هؤلاء إذا ما نزلوا بلدا لا يعرفون فيه أحدا أن يقصدوا المسجد الجامع به ليلتقوا بالغرباء من أمثالهم أو بأهل البلد فيسألونهم عن الخانات والفنادق والأسعار وسبل العيش، وقد يتولى بعض هؤلاء وظائف علمية أو قضائية إذا التمس فيه الناس الكفاءة العلمية المطلوبة.
ومن أجل هؤلاء الغرباء وغيرهم من عابري السبيل لعب المسجد دور بيت الضيافة، حتى أن الصوفي الشهير «ابن عربي» وقد جال في العديد من بلاد المسلمين قال: ان في كل بلد قصده اعتاد الناس أن يرسلوا إلى الجامع عقب صلاة العشاء من يحملون قصاعاً من الطعام ويرسلها أهل الخير للغرباء، وكانت هذه القصاع كثيرة ولم تقتصر على الثريد وكسر الخبز .
وبقايا الموائد وإنما كان فيها الجيد الرفيع الذي يضعه أهل الخير لغرباء المسلمين خاصة، ويقرر ابن عربي أنه كان «إذا هجم الليل وأنا خالي الوفاض أصيب من تلك القصاع ما يعينني على قيام الليل.. وما نزلت بلدا إلا ووجدت به هذه الخصلة اللطيفة من خصال أهل القبلة وما وجدتها عند غيرهم وهذا من فضل الله عليهم».
ولم يكن هذا الأمر قصرا على المشرق الإسلامي أو بلاد المغرب بل نراه أيضا في أعماق غرب افريقيا، إذ يحكى أحمد بابا التسكتي أن بلاد المسلمين التي زارها في هذه الأنحاء تميزت بوفرة طعام أهلها فلا تجد فيها جوعا ولا مسغبة لأن الناس يعمدون إلى ما بقي من طعامهم فيجعلونه على حصر نظيفة عند الجامع فيصيب منها الجائع والمحتاج حاجته.
ومن غريب أمرهم أن الغرباء كانوا لا يصيبون إلا قدر ما يكفيهم ولا يأخذون منه شيئا معهم وهذا عنده عيب كبير ومثله كذلك أن يكون الرجل قادرا على الكسب ثم يصيب من هذا الطعام».
وفضلا عن أدوار المسجد في مجالات القضاء والعلم وضيافة الغرباء فقد كان أيضا أول ما اتخذ من أماكن لعلاج المرضى غير المقيمين، وكان الأطباء يجلسون عند أبواب الجوامع لاستقبال المرضي وتقديم النصيحة لهم، إما على سبيل التطوع والتقرب لله .
أو يتقاضون رواتبهم من وقف جاد به أحد المحسنين، فنحن نعرف أن الطبيب القيرواني أحمد بن إبراهيم الجزار كان يجلس عند باب الجامع عقب صلاة العشاء ومعه بعض الأدوية، وأن جامع أحمد بن طولون، كانت به عيادات مختلفة أهمها الباطنة والعيون «الكحالة»، كما كانت هناك أيضا خزانة للشراب «الأدوية» تجرى عليها الأموال من أوقاف السلطان المملوكي حسان الدين لاجين.
وبعد أن نشأت الدولة الحديثة توزعت الوظائف المختلفة التي كان يضطلع بها المسجد على وزارات وهيئات مختلفة، فالقضاء ذهب إلى وزارة العدل، وعنيت وزارات التعليم بأموره واختصت وزارة الصحة بشؤون المرضى.
وتولت الإدارات الاجتماعية أمر الغرباء والمحتاجين ولم يبق للمسجد من وظائفه التقليدية سوى الصلاة وحتى تلك تدخلت فيها وزارات الأوقاف ثم جهات الأمن مؤخرا فيفتح المسجد أبوابه في أوقات الصلاة وحسب وقد يفسح المجال لدروس دينية في مواعيد محددة.
وأدى هذا التغير الوظيفي إلى تدهور ملحوظ في عمارة المسجد، إذ تحول في أكثر الأحوال إلى مجرد قاعات للصلاة تخلو من الإبداع المعماري، واختفت من ثم الساحات المكشوفة سواء داخل المسجد «الصحن أو الفناء»، أو خارجه وحتى المساجد الكبيرة المتأنقة لجأت إلى استخدام القباب الكبيرة لتغطية قاعات الصلاة مما أدى إلى تقليل كميات الإضاءة الطبيعية داخلها والإخلال بالطابع الروحي المشرق للمساجد.
وبعدما أخذت الدول، وفقا لبرامج التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي، في التخفف من أعباء الإنفاق العام، ولاسيما في المجالات التعليمية والطبية وفي الرعاية الاجتماعية، عاد الناس إلى المسجد لإحياء أدواره المهجورة.
واحتاج الأمر إلى إلحاق مبان أخرى بالمساجد، تعلوها أو إلى جوارها لإنشاء «عيادات» طبية من مختلف المستويات ودور مناسبات للأفراح والأتراح وحضانات وملاجئ ومحال إقامة للأيتام، وأماكن لمحو الأمية والدروس الخصوصية الخ.
لقد أدى هذا الإحياء العشوائي لأدوار المسجد إلى تشويه كامل لعمارة المساجد حتى باتت عنوانا على القبح واختلال النسب الجمالية.
لقد بات من الضروري اللازم أن يسعى المعماريون إلى تطوير تخطيط جديد للجوامع والمساجد، في الأحياء والقرى، لتصبح بمثابة مراكز دينية واجتماعية مؤهلة للقيام بوظائفها المعادة إليها دون أي تداخل أو ارتباك مع الحفاظ على القيم الفنية والفلسفية التي يقدرها مؤرخو الفنون والعمارة حول العالم.
ويكفى أن نقتبس هنا ما قاله الفرنسي «جاستون فييسا» عن تصميم المسجد الإسلامي مؤكدا أن الخطة العامة للمساجد تتماشي تماما مع وضوح العقيدة الإسلامية وبساطة أركانها وخلوها تماماً من الأسرار ومن أي نوع من التعقيد في طقوس العبادات. ويبدو هذا مثيرا للدهشة بصورة أوضح إذ ذكرنا أن قدس الأقداس في معابد مصر القديمة كان يقوم في خدر مظلم لا يدخله إلا الملك وعدد قليل من رجال الدين المختارين ليتأملوا الههم في جلاله.
وهذه الحاجة لتصميم معماري حديث للمسجد تعيد له وظائفه القديمة الجديدة، تبقى ماسة أيضا للجاليات الإسلامية التي تعيش في المهاجر بأوروبا والعالم الجديد. فهي تحتاج لمسجد يلعب دور المركز الثقافي ـ الاجتماعي في ذات الوقت.
فبالإضافة إلى أماكن الصلاة يضم بين جنباته منشآت تقوم بوظائف حيوية للحفاظ على الجماعة الإسلامية وهويتها وترقيتها أيضا، مثل إجراءات الدخول في الإسلام وتسجيل الزواج بين المسلمين وتسجيل المواليد لرعايتهم إسلاميا عندما يبلغون سن الإدراك، وعقد الندوات والمؤتمرات.
إن هذه المخططات الجديدة للمساجد تستدعي أيضا إعادة تأهيل للقيادات التي ستقوم بإدارتها حتى تتمكن من القيام بدور الإمام الديني والاجتماعي للجماعة المسلمة.
ـ أستاذ الآثار الإسلامية ـ جامعة القاهرة
