هو ابن عم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه، وكان مولده قبل الهجرة بثلاث سنوات، ووفاته عام ثمانية وستين من الهجرة، ولأن استقراره كان بمكة، فهو إمام أهل مكة في تفسير القرآن، لأنه كان في صباه ملازماً للنبي صلى الله عليه وسلم ومن ثم فقد وعى عنه أقواله وبيانه في القرآن،.
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كلف ببيان القرآن بالقول والتطبيق العملي، فقد قال رب العزة: «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنت لا تعلمون. بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون» وقال رب العزة: «وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون» (النحل 44/64)..
ومن البداهة بمكان أن الملازم للنبي صلى الله عليه وسلم، سيكون أكثر تعلماً ونقلا عنه، لاسيما إذا كان من الدعاة الحفاظ كابن عباس رضي الله عنهما، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقربه ويمسح رأسه ودعا له قائلاً: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» وفي رواية عن ابن عباس نفسه،: أنه سكب للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءاً عند خالته ميمونة فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وضع هذا؟!».
فقالت: ابن عباس، فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، ومن الأدلة على ملازمته النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث الصحيح الذي روي عن ركوبه خلف النبي صلى الله عليه وسلم فوق دابته، وأنه قال له: «يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك،.. الخ»®.!
والأخبار المروية عن حفاوة النبي صلى الله عليه وسلم بابن عباس كثيرة وحرصه على أن يكون له شأن في فهم كتاب الله وتأويله وبيانه للناس شهد بها الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً ولذلك كانوا كثيراً ما يرجعون إليه لبيان القرآن وفقهه.
وقد أطلق عليه بحق أنه ترجمان القرآن، وأنه حبر الأمة، وأنه كان مقرباً ومحتفياً به من كبار الصحابة ورؤوسهم، وحينما قال المهاجرون لعمر رضي الله عنه: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ قال: ذاكم فتى الكهول، له لسانٌ سؤول، وقلب عقول»®.!
فكما حفظ ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم حفظ عن أشياخ الصحابة، وكان حريصاً على طلب هذا العلم، فعن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل اصحاب رسول الله عليه وسلم فإنهم اليوم كثير، قال: واعجبا لك، أترى الناس يفتقرون إليك؟!
فتركني وأقبلت أسأل، فإن كان ليبلغني الحديث عن رجل فآتي بابه وهو قائل ـ أي نائماً وقت الظهيرة ـ فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح عليّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول:
يا ابن عم رسول الله؛ ما جاء بك، هلا أرسلت إليَّ فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، فاسأله عن الحديث، فعاش الرجل الأنصاري، الذي تركته ولم يسأل الصحابة مثله، يقول ابن عباس: حتى رآني وقد اجتمع الناس يسألوني، فقال: هذا الفتى كان أعقل مني..!
وعن الشعبي قال: ركب زيد بن ثابت، فأخذ ابن عباس بركابه فقال: لا تفعل يا أبن عمّ رسول الله فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقبل زيد بن ثابت يده وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا!!
وما من شيخ من شيوخ الصحابة إلا وله شهادة لابن عباس واعتراف بفضله، فقد ورد عن علي بن أبي طالب فيه: إنه لغواص؛ وعن ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنه حينما سئل عن مسألة: سل ابن عباس فإنه أعلم من بقي بما أنزل الله على محمد، وعن عائشة رضي الله عنها: هو أعلم الناس بالحج، وعن كثير من التابعين كذلك، فعن عطاء:
ما رأيت قط أكرم من مجلس ابن عباس، أكثر فقها وأعظم خشية، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنه، يصورهم كلهم من واد واسع.. وعن طاووس قال:
أدركت خمسين أو سبعين من الصحابة إذا سئلوا عن شيء فخالفوا ابن عباس لا يقومون حتى يقولوا: هو كما قلت أو: صدقت.. وعن مجاهد قال: ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه.. وعن الأعمش: خطب ابن عباس وهو على الموسم ـ الحج ـ فجعل يقرأ ويفسر فجعلت أقول: لو سمعته فارس والروم لأسلمت.. وقال عمرو بن دينار حينما توفي: مات رباني هذه الأمة..!
علي عيد
