ما إن دخلنا وادي السدر حتى أشرقت أمامنا لوحات تشكيلية لأشجار سدر رائعة التكوين قلما يجود بها زماننا الشحيح بالمطر. فهنا سدرة وهناك أخواتها وحولها جبال مسكونة بحكايات مدهشة تروي قصة حبات «النبق» التي اصفرت خوفاً من القطاف ووادي السدر واحد من المناطق الساحرة في إمارة الفجيرة، فيه عدة قرى أولها قرية وادي السدر ثم قرية الجروف التي استقبلتنا بعفوية بالغة، ورحب بنا أهلها صغار وكبار، وقد سكنوا تلك الأرض هم وآباؤهم وعرفوا حلوها ومرها.
يقع وادي السدر على بعد حوالي سبعين كيلومتراً من مركز إمارة الفجيرة، وصلناها عن طريق مسافي باتجاه دبا، مروراً بقرية الطيبة ثم قرى الوادي التي استقرت فيه منذ سنوات طويلة.
وفي قرية الجروف كان المشهد المتميز للمجلس النسائي الصباحي عند ظلال الأشجار يدفعنا لاستكشاف الحديث الدائر بين الحاضرات، وكانت «دلّة» القهوة تتوسط المكان، بينما اجتمع النحل حول حبات الرطب التي توفرت في المجلس، ولم يكتف النحل من حلاوة العسل فتوجه إلى ثمار النخيل.
وبدأ الحديث عن الماضي، وحياة الجبل فقالت موزة بنت عبدالله «كانت الأرض خصبة و«السيل» يأتينا كل يوم وأشجار السدر تملأ المكان، وكنا نجد العسل الجبلي بسهولة خاصة عسل السدر حيث نضع عليه علامة ليجنيه الرجال، وكنا نطبخ على حطب السمر أو السدر أو الشوع.
وهذه الجلسات كانت معروفة لدينا، فحين تنتهي المرأة من أعمالها تجتمع مع جاراتها ليتناولن القهوة مع السح أو الرطب و«الكامي» ولم نكن في الماضي نعرف الثلاجات أو الكهرباء فكنا نجفف اللحم أو السمك بأنفسنا .
وكذلك نقوم بمعظم الأعمال كجلب الماء أو رعاية المواشي أو خياطة الثياب، وكنا نذهب إلى رأس الخيمة على الحمير، ونشتري «العيش» والقهوة و«السح» والملابس التي نخيطها بأيدينا، والنساء القريبات يتجمعن ويتعاون في أداء الأعمال المختلفة. وقد كان الخصب في كل مكان فالطوي مليئة بالمياه والجبال لا تخلو من العيون، والناس تزرع وتسقي باليازرة.
وتتحدث ميثا عبدالله عبيد عن الحياة الأسرية قائلة «أول «الريال» يتزوج «حرمة» واحدة، ويعيش معها على الحلوة والمرة، ولم تكن المهور غالية فقد تزوجت في منطقة «الحلاة» في «طلاع دبا» وصباحتي سبعمئة روبية، وكان زوجي يعمل في الكويت، وقد عاش الرجال وعيشونا من «حطبة» و«صخام» و«ذبيحة».
وتذكر ميثا زينة العروس ليلة عرسها فتقول «كانت العروس تلبس وقاية نيل، وتضع «صناع» ـ وهو خليط عطري أحمر أساسه الزعفران ـ ونضع «المشاط» في الرأس وكانت هناك امرأة في القرية تهتم بتزيين العروس هي سهيلة بنت عبدالله وهي التي تعقص شعر النساء وتضع فيه الآس.
ويتحول حديث النساء إلى العلاج بالأعشاب فتقول موزة «كنا نأتي بالأعشاب من الجبال ونستخدمها في علاج الكثير من الأمراض ومن تلك الأعشاب عشبة «حل الدم» ونباتات الخيل والمر والصبر واللبان والخطف، والخيل تفرك به أجساد الأطفال في أول شهور ولادتهم، أما الجبيرة فتصنع من العنزروت نأتي به من عرف الشجرة ونطحنه مع بيضة ونضعه على الكسر.
ونحزم مكان الكسر بقشر شجرة السمر ونثبت أعواد النخيل عليه ليكون ثابتاً حتى يلتئم، والشفاء من الله سبحانه وتعالى، فالناس يعيشون حياة بسيطة بين الجبال ويأكلون ما ينتجونه أو يجنونه بأيديهم، وكانت الأرض كريمة معهم فالخضرة في كل مكان، وتعيش عليها الظباء والوعول والأرانب، وكانت الذئاب موجودة كذلك والفهود، وأعتقد أن الفهود موجودة حتى الآن».
وتشير ميثا من مجلسها إلى الجبال حولها فتقول «لكل جبل اسم يعرف به فهنا جبل التمر وبعده جبل حشيشة ثم جبل «بنيات» وغليل أسل وقوير الصوص وكان جبل العصم معروفاً بعيون الماء الكثيرة بينما لا تجد الماء اليوم حتى في «الطوي» لذا لم نعد نذهب إلى الجبال كما كنا في الماضي».
خرجنا من مجلس النساء ليستضيفنا الحاج علي أحمد محمد الذي يشير إلى تغيرات الحياة قائلاً: «الحياة اختلفت عن الماضي، فقد كنا نصوم رمضان بدون كهرباء أو مكيفات كما هو الحال اليوم، وكان الناس لا يتعطلون عن أعمالهم ويحسبون لشهر شعبان حتى يتحروا ظهور الهلال لشهر رمضان، وفي الماضي كان مدفع دبا يعلن قدوم الشهر الفضيل.
وكذلك يقوم سكان الجبال بإطلاق النار ليعرفوا جيرانهم بموعد الصوم، وكان بعض الناس يذهبون إلى دبا وأذن ليعرفوا مواعيد العيد ورمضان، ويصلوا الجمعة في مسافي وأحياناً في أذن أو دبا، فالشواب يرحلون ليلة الخميس من وادي السدر باتجاه دبا ليبيتوا هناك ويصلوا الجمعة ثم يعودوا».
وعن التحضيرات الرمضانية يقول «قبل رمضان بعدة أيام نذهب للتبضع ونشتري التمر والعيش، وسكان البيوت القريبة يفطرون رباعة، وإذا كانوا متفرقين تفطر كل عائلة في بيتها لكن الناس يتزاورون ويصلون التراويح معاً.
ويعطون زكاة الفطر لفقراء القرية، وفي ذلك الزمان معظم الناس لا يمتلكون شيئاً، وطعامهم في الإفطار يقتصر على الخبز واليقط والتمر، والعيش قليل ويذبحون حسب إمكانية كل شخص، ولم تكن هناك إمساكية أو مساجد تعلن وقت الفطور فهم يفطرون عندما تظلم الدنيا، وقد يكون ذلك بسبب الغيوم وعندما تنقشع يدركون أنهم أخطأوا فيصومون يوماً آخر.
وفي العيد يحددون مكان مصلى العيد، ويكون في الوادي ويصلون ثم يتبادلون التهاني ويطبخون الهريس ويحتفلون طيلة أيام العيد، وتقام الولائم عند بعض البيوت حيث يجتمع الناس ويتناولون وجبات الطعام المكونة من العيش واللحم، ويكون الفرح بادياً على جميع الوجوه.
ونعود إلى ماضي منطقة الجروف وسبب تسميتها فيقول الحاج علي أحمد محمد «سميت الجروف بسبب وجود الكهوف فيها وقد كان الناس يحتمون بها من الأمطار وتكون تلك الكهوف على جرف الوادي، وكنا في نعمة كبيرة فالأمطار وفيرة والأرض خصبة، ونحن نعيش على الزراعة حيث نزرع الطماطم والبصل والفندال واللوبياء واللومي والهمبا، وكان اللبن والسمن والعسل متوفراً.
و«الحلال» يعطى للإنسان من دون أن يأخذ منه شيئاً فالعشب موجود في السيح والجبل ولا تحتاج إلى شراء شيء من السوق. وكان السدر يشكل ميزة خاصة للوادي فهو موجود في كل مكان بأنواعه وأسمائه المختلفة حسب نوع ثمار «النبق» فمنها السدرة «البياضية» التي يكون نبقها أبيض .
وكذلك سدرة النخي التي تشبه حباتها الحمص المسلوق وسدرة الفحل التي لا تثمر والسدرة «الحلاوية» التي يكون نبقها حلو الطعم، وكانت الحيوانات تأكل أوراق السدر وثماره وكذلك يتغذى عليه النحل الذي يضع عسل «اليبياب» أي عسل السدر، وكانت النساء يطحن أوراق السدر ويضعنها في شعورهن لتساعد في تقويته وتطويله.
ويعد ورقه من أعشاب الطهارة ويستخدم في بعض العلاجات مثل صناعة الجبيرة للكسور، وكذلك في علاج الديدان في البطن، وقد ذكرت شجرة السدر في القرآن الكريم على أنها من أشجار الجنة، وسمي الوادي بوادي السدر بسبب كثرة أشجار السدر الموجودة فيه، والتي يعود تاريخ وجوده إلى زمن بعيد، وقد كانت الظباء تعيش في الوادي.
وتأكل من ورق السدر ونحن نصيدها بأسلحة بسيطة، فضلاً عن تربية الأغنام، ونبيع قسماً منها في أسواق الساحل وقد سرت مع القافلة ذات مرة فبعتها واشتريت بثمنها العيش والتمر والقهوة والثياب، فقد كان مثل هذا المبلغ كبيراً، فضلاً عن ان الناس في الماضي يحافظون على النعمة ويبتعدون عن التبذير الذي نراه اليوم».
غادرنا القرية ونحن نحمل حكايات أهلها وابتسامات أطفالها الذين تجمعوا حولنا وهم يحاولون الظهور أمام عدسة الكاميرا ببراءة عذبة وأحلام وارفة عن الشهرة والتباهي بها أمام الأقران.
استطلاع: دلال جويد


