هذه قصة صعود وسقوط «ويللي ستارك» وهو الشخصية الخيالية التي ابتكرها المؤلف ليحكي من خلالها قصة صعود وسقوط حدثت بالفعل في أرض الواقع هي قصة «هيو لونغ» حاكم ولاية لويزيانا .

وقد حدثت القصة الواقعية خلال الإطار الزمني الذي اختاره المؤلف لأحداث روايته وتبدأ خيوط تلك الأحداث مبكرا من أواخر عقد العشرينيات فتصل إلى مرحلة تأزمها وتشابكها ومن ثم إلى ذروة الحبكة الدرامية بين عامي 1938 و 1939.

10 فصول تستغرقها وقائع روايتنا وبطلها هو جناب الريّس (ذي بوس) وهو اللقب الذي يعرفون به حاكم الولاية.. وحين يرفع ستار الحدث تتابع جناب الحاكم وهو يستعد لرحلة إلى مسقط رأسه محاطا بثلة من المصّورين ومندوبي الصحف وتصدر التعليمات لأهل الكاميرات والأقلام بأن يركزوا على شيء واحد هو: التقاط صورة للحاكم مع والده المسن ومع مدام لوسي ستارك زوجة الحاكم.

صحيح أن الأب العجوز لا يرى ابنه الشهير إلا لماما.. وصحيح أن الحاكم منفصل عن زوجته منذ زمن طويل.. لكن الظروف تحكم والصورة واللقطة (البوز) أمور يقتضيها ترشيح السيد ستارك لفترة ثانية في حكم الولاية الجنوبية الغنية.

المسألة إذن مجرد فصل من ألاعيب وأحابيل العلاقات العامة لا أكثر ولا أقل.. تتحرك قافلة العلاقات العامة تحمل المعاونين والمشاورين والزوجة الطيبة ونجل الحاكم اليافع.. لكنها تضم - وهذا هو الأهم - السيدة سادي بيرك مديرة مكتب الحاكم.. وعشيقته أيضا: وخلال سير الرحلة.. يعود المؤلف..

راوي الأحداث إلى فترات ماضية.. إلى بدايات بطل الحكاية ويلي ستارك وكانت بدايات مشرفة إذ كان الفتى ويلي يكدح عاملا في مزارع السادة بالنهار ويواصل دراسته الجامعية في القانون عندما يحل المساء.. وكم كان حسن طالعه أن ساعده واحد من معلميه في الحصول على وظيفة أمين الصندوق بإحدى المقاطعات وكم تبددت شمائله كموظف عام أمين وشريف حين رفض أيامها المشاركة في اعتماد عقد حكومي أحاطته الشبهات لبناء مدرسة مخالفة للمواصفات.

صحيح أن الموظف الشاب فقد وظيفته لكن المدرسة ما لبثت أن انهارت وقتلت ثلاثة أطفال وبعدها ذاع صيت الموظف العفيف الشريف ويللي ستارك بوصفه المحارب الجسور ضد سلوكيات الفساد وطغمة الفاسدين.

بعدها دخل البطل ساحة العمل العام مساعدا لكبار المرشحين لمناصب الحاكم أو مواقع البرلمان وبدأ يتعارف إلى فتاة طموحة كانت تعمل بالتدريس هي لوسي بيرك التي وقفت وراءه إلى أن حقق طموحاته فانتخبوه حاكما للولاية في عام 1930.

وكان أن عين لوسي رسميا مديرة لمكتبه وإن كان قد عّينها شخصيا خليلة له فسيطرت على كل شئ لاسيما وقد جلب الاثنان إلى مكتب حاكم الولاية أفرادا معاونين ممن لا خلاق لهم ولا ذمة ولا ضمير.

سنوات ثلاث أمضاها سيادة الحاكم في منصبه الرفيع.. ستة وثلاثون شهرا كانت كافية للأسف لكي تفسد أخلاقه وتدفعه إلى أن يحيد عن مبادئه.. أليست السلطة مفسدة في حد ذاتها - فما بالك بسلطة حاكم لإحدى ولايات الجنوب الأميركي الحافلة ببارونات الثراء وكبرى شركات تجهيز القطن وإنتاج الطباق واستغلال ملايين العبيد؟.

هكذا انتشرت في حكومة الولاية أسباب الرشوة والمحسوبية والابتزاز بل أن أساليب ابتزاز الناس والتشهير بهم دفعت مساعد الحاكم واسمه جاك بيردن إلى الاحتفاظ بدفتر سري أسود يدون بين دفتيه مثالب مواطني المقاطعة ويحصون عليهم معايبهم وأخطاءهم لزوم استخدامها ضدهم عند اللزوم.

وبالمناسبة كان هذا المساعد - جاك بيرون صحافيا واعدا يبحث عن الحقيقة ويحاول أن يحكيها لقرائه - بل كان يعد رسالة دكتوراه عن العلاقة بين الحقيقة الصادقة وبين دوافع الإنسان التي تحضه على هذا السلوك أو ذاك.. لكن الناس تتغير وأحيانا يصيب الإنسان طائف اليأس أو الملل أو الإجهاد.. وهكذا نفض الصحافي الواعد يده من التماس الحقيقة .

ومن رسالة الدكتوراه والتحق بإدارة حاكم الولاية وأصبح ساعده الأيمن لا يتورع عن ممارسة سلوكيات الرشوة والمحسوبية بقدر ما أصبح مسؤولا عن دفتر سقطات وعيوب الآخرين بحيث يتم استخدامه من أجل ابتزاز أصواتهم في الانتخابات أو إسكات أصواتهم أيضاً إذا ما سولت لهم أنفسهم أن يرفعوا رايات العصيان أو الرفض أو الاعتراض.

والحاصل أن الحاكم استطاع أن يفلت من عواصف المعارضة وأعيد انتخابه لولاية ثانية في عام 1934 وكعادة كبار الساسة في أميركا فقد كان طبيعيا خلال الولاية الثانية، وهي الأخيرة بموجب الدستور - أن يفكر الحاكم في وصيته للتاريخ أو في موقعه ومكانته وفي التراث الذي سيخّلفه ويتكلم عنه سجل التاريخ..

هكذا فكر الحاكم ويللي ستارك في إنشاء مستشفى يحمل اسمه لمعالجة فقراء الولاية بالمجان.. وربما بدأ الحاكم يفتح عينيه ويشعر بالندم حيث تجلت أخطاؤه لهذا أراد أن يبعد مستشفاه الخيري عن تيارات السياسة بكل ما تحفل به من رشاوى وإكراميات ومحسوبيات ودفاتر حافلة بسبل الابتزاز..

حدث هذا بالذات بعد أن أصيب نجله الوحيد بالشلل نتيجة سقوطه في ساحة ملعب كرة القدم لم يبق إذن سوى أن يطهر حياته كلها، فكان أن طرد السكرتيرة العشيقة «سادي» وأخرج من حياته «آن» وهي عشيقة أخرى كان يعرفها منذ أيام الشباب وقرر العودة إلى «لوسي بيرك» الزوجة الطيبة رفيقة الأيام الصعبة الأولى و.. أم العيال.

لكن حكم القدر له منطق آخر.. «آن» كان لها زوج اكتشف علاقتها السابقة بالحاكم ولم يغفر للاثنين وهكذا توجه إلى عاصمة أريزونا وهي «باتون روج» وقبع في مبنى إدارة الحكم تعلوه قبة معمارية باذخة، وحين وصل الحاكم ويللي ستارك عاجله الزوج الثائر برصاصة أردته قتيلا ثم تلقى الزوج لحظتها عدة رصاصات أودت بحياته من بنادق الحراس المحيطين. كل هذه الأحداث دفعت «جاك بيردن» إلى أن يغيّر آراءه بل يغير أسلوب حياته من الأساس..

ترك الخدمة الحكومية استأنف رعايته لوالده العجوز.. وآمن بأن كل امرئ مسؤول عما يفعل وأن أفعاله هذه قد تؤثر على الآخرين.. والأهم من ذلك تناول جاك - الصحافي السابق الذي كان واعدا - الدفتر السري الأسود الذي كان يحتفظ به للتشهير بالناس.. فأغلق صفحاته إلى الأبد.

* الأفكار.. الرموز.. الدلالات

هناك مستويان من الأزمان في رواية الأحداث.. إنها على المستوى الأول تروي قصة صعود وسقوط بطلها ويللي ستارك حاكم الولاية.. لكنها على المستوى الثاني تروي أيضا قصة جاك بيردن الصحافي الواعد الذي تحول إلى مساعد للحاكم الفاسد وكان يحتفظ بالدفتر الأسود الذي يسجل معايب الناس..

والقصة تحكي عند هذا المستوى الثاني قصة تحولات وصعود هذا الصحافي لكنها لا تصل إلى رصد سقوطه بل إلى عودته بزاوية 180 درجة إلى حيث أدرك أن كل فرد مسؤول عما يفعل وأن عليه أن يخرج من ربقة الفساد الذي كان منغمسا فيه إلى حياة متحررة من الانحراف بحيث يتطلع إلى مرحلة أفضل وربما أكثر نقاء..

من هنا فالقصة لا تحكي عن «الملك» وحده بل عن كل «رجال الملك» الذين لابد وأن يشاطروه مسؤولية ما حدث ولهذا سجلت الرواية في فصولها الأخيرة مشاهد عكوف الصحافي السابق جاك، الساعد الأيمن للحاكم الفاسد، على إعداد قانون عادل للضرائب بل سجلت عباراته التي وجهها إليه رئيسه الأعلى إذ قال جاك:

- يا جناب الحاكم.. إذا كنت تنشد تنفيذ عملية ضغط وابتزاز جديدة فابحث عن شخص غيري. بعدها ظلت الرواية تتحدث عن معاني الإفاقة من «غيبوبة سبات طويل» كان الصحافي السابق غارقا في طياته.. ومن ثم تتحول إلى حيث كان الصحافي يعد نفسه ليوم يفتح فيه عينه التماسا لأسلوب جديد لحياته بعيدا عن حمأة الفساد التي طالما غرق في دوامتها.

* العمل في ذاكرة الإنسانية

مازالت هذه الرواية تحتل مكانة خاصة ومميزة وخاصة عند دارسي تاريخ أميركا السياسي في القرن العشرين وذلك بحكم ما ألمحنا إليه من أوجه التشابه - إلى حد التماثل بين البنية والأحداث والشخوص الروائية.

وبين لونغ حاكم لويزيانا في الفترة 1928 - 1923 الذي حار المؤرخون في سيرته إذ يسجل له عدة إصلاحات واسعة النطاق فيما يسجل عليه أن فترة ولايته اتسمت بالفساد إلى حد دفع المجلس التشريعي بالولاية إلى بدء محاكمته بهدف عزله عن منصبه ولم يقيض لإجراءات المحاكمة أن تستمر ونفد الحاكم بجلده ليرشح نفسه بل وينجح في أن يفوز بعضوية مجلس الشيوخ بكونغرس الولايات المتحدة.

وحين لقي السناتور لونغ مصرعه على يد طبيب ثائر لشرفه العائلي تنفس القوم الصعداء إذ كانوا يخشون من أن عضوية مجلس الشيوخ يمكن أن تكون الخطوة الأولى نحو منصب رئيس الولايات المتحدة يشغله رجل أتهم على مدى سنوات عديدة بسلوكيات وانحرافات نشرت الفساد في أطناب لويزيانا.

ومن عجب أن من النقاد من تعامل بإعجاب شديد مع الرواية التي كتبها مبدعها بلغة واقعية عكست ثراء لغة أهل ولايات الجنوب في أميركا.. ولكن منهم من لا يزال يتحفظ على ما بدا وكأنه دفاع من جانب الرواية عن شخصية السياسي الفاسد الذي تدور من حوله معظم الأحداث.

مع ذلك يمكن القول بأن العمل الروائي تعامل مع شخصياته على أنهم بشر من لحم ودم وأنهم بالتالي مزيج من خير وشر وبقدر ما بدأ بطل الرواية شابا مكافحا بالليل وبالنهار وانتهى إلى رغبة مخلصة في بناء مستشفى خيري لعلاج المعوزين.. فقد حرصت الرواية على ألا تصوره من منظور الخير المطلق ولا الشر المطلق بل صورته على أنه مجرد.. إنسان.

ولعل في هذا المنظور الإنساني ما يمثل الفرق الأساسي بين الفن بنظرته النسبية وبين الدين والقانون وكلاهما يصدر عن رؤية المطلق ويأخذ بمنطق التعميم.

يرصده : محمد الخولي