دبي.. مدينة الفرص، مدينة الذهب، معجزة الصحراء، فينيسيا الخليج، سنغافورة الشرق الأوسط، مدينة المهرجانات المتميزة، كلمات تكاد لا تفي هذه الإمارة حقها، لقد سحرت دبي العالم قاطبة بمدرستها الاقتصادية الحديثة وفكرها الذي خرج عن حدود الزمان والمكان لما حصل ويحصل في دبي وهي بالتالي شواهد على ما يحدث بصورة يومية في دبي وعلى الرغم من حداثة دبي إلا أنها تحوي تاريخا موغلا في القدم يعود إلى مئات السنين فالحفريات التي وجدت في أرجاء الإمارة تحكي لنا عن ماض عريق عايشته دبي وسكانها.
فقد وجدت في أرجاء الإمارة حفريات تعود إلى ما قبل الميلاد وحفريات تعود لحقب زمنية متعددة كما وجد فيها حفريات وأثار تعود لعصور إسلامية هذا يؤكد لنا أن دبي ليست وليدة يومنا هذا وإنما هي نتاج لحضارة تاريخية زاهرة أوصلتها إلى مكانتها الحالية عن جدارة.
ولكن ما وصلت إليه دبي خلال المئة عام الماضية يمكن أن يلخص في كلمة واحدة هي أن دبي مدينة التجار إن تطور دبي خلال القرن السابق يعكس قصة نجاح غريبة صاغتها يد الجالية التجارية والمكونة آنذاك من عدة أطياف: السكان الأصليون وهم العرب، إضافة إلى الفرس والهنود، فتاريخ دبي الحديث سلك منذ البداية مساراً خاصاً اختلف عن سائر إمارات ومدن الخليج العربي الأخرى.
كما يدل هذا التاريخ على أن الجهود العامة والشعبية قد تضافرت في الكثير من الأحيان والأوقات مع الجهود الحكومية والرسمية من أجل الارتقاء بالخدمات العامة مما جعل من تجربة دبي تجربة فريدة، فصارت تظهر وكأنها تملك من المقومات الاقتصادية أكثر من غيرها على الرغم من أنها فقط امتلكت مقومين رئيسيين هما: العقلية التجارية المتميزة لسكانها، ووجود الخور الذي كان وما زال إلى الآن الشريان الحيوي الذي يغذي دبي ويهبها الحركة والنشاط التجاري.
لقد مر تاريخ دبي وتاريخ تطور بنيتها التحتية وتاريخ ظهور جالية تجارية نشطة فيها بمراحل عديدة عكست التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي لإمارة دبي التي تحولت بالتدريج من قرية صغيرة يقطنها الغواصون وصيادو السمك إلى مدينة ساحلية متطورة إلى إمارة نابضة بالحياة والحركة ثم إلى العاصمة الاقتصادية لدولة الإمارات العربية المتحدة بعد استقلالها. لقد تطورت دبي سريعا بعد ذلك لتصبح أكبر مركز مالي وتجاري في الشرق الأوسط.
خلال هذه الفترة لعبت العقلية التجارية لسكانها وعقلية صناع القرار فيها دوراً رئيساً رسم لدبي مكانة متميزة على الخريطة العالمية فانتقلت دبي من مجتمع صغير ذي متطلبات محدودة إلى مجتمع متعدد الأعراق والمطالب، ثم إلى مجتمع حديث وسريع النمو ذي هوية عالمية متعددة الثقافات والأعراق ولم تكتف بهذا القدر بل سعت لجذب العالم لها حين منحت العديد من التسهيلات للاستثمارات الخارجية والتي وجدت في دبي واحة أمن وأمان.
إن تاريخ دبي الحديث سوف يكون موضوعاً يومياً لنا نتناول في كل حلقة منه موضوعاً معيناً من تاريخ هذه المدينة. فالهدف هو إلقاء الضوء على تاريخ هذه المدينة العريقة والتأكيد بأن دبي ليست فقط اقتصاداً حديثاً بل تاريخاً حافلاً وجهوداً رسمية وشعبية قادت دبي خلال تاريخها من مجرد مدينة ساحلية صغيرة إلى أكبر مركز مالي وتجاري في منطقة الشرق الأوسط إن وراء نجاح دبي جهود حكومية وشعبية تستحق منا إلقاء الضوء على تجاربها لتكون تجربة وعظة للأجيال الجديدة.
من خلال عرض تطور البنية التحتية لدبي خلال القرن العشرين سوف تكشف لنا هذه الإمارة عن جانب مهم من جوانب نهضتها الحالية. فتاريخ الخدمات العامة في دبي قد مر بعدة مراحل مهمة. فالمرحلة المتقدمة من تاريخ تطور البنية التحتية كانت مرحلة صعبة حيث كان الاقتصاد تقليديا قائما على تجارة اللؤلؤ وتجارة المواد الغذائية الأخرى إلى الهند وفارس.
وكانت متطلبات الحياة آنذاك بسيطة تماما كبساطة الإدارة العامة حيث لعب الجمرك دور الإدارة المركزية وكانت صلاحيات الجمرك تكمن في تنظيم الضرائب وتسهيل القيود والإجراءات الضريبية والشحن البحري.
ولكن منذ الثلاثينات تسارعت وتيرة الإصلاحات الاقتصادية خاصة مع ظهور المجتمع التجاري وبروزه كقوة مؤثرة في الحياة السياسية فقد طالب هذا المجتمع شيخ الإمارة آنذاك، سعيد بن مكتوم ( 1912-1958) بإدخال بعض الإصلاحات الاقتصادية. وقد أدرك الشيخ سعيد بن مكتوم أهمية هذه الإصلاحات وتبناها جميعا بعد ذلك على الرغم من صعوبة تنفيذ بعضها وضعف الإمكانيات الاقتصادية.
في الخمسينات من القرن العشرين بدأت دبي تنحو منحى اقتصادياً خاصاً بها الأمر الذي ميزها عن غيرها من مدن الخليج وقد أتاح لها هذا الوضع أن تكون منذ ذلك الوقت وحتى الوقت الراهن المدينة الاقتصادية والمالية ليس فقط لدولة الإمارات العربية المتحدة ولكن لمنطقة الخليج بأسرها.
وعلى الرغم من اكتشاف النفط بها منذ نهاية الستينات من القرن العشرين ، وهو الأمر الذي وفر لها دخلاً مستقلاً وثابتاً، الا أن المجتمع التجاري لا يزال يلعب دوراً مؤثراً في صنع القرار العام في دبي.
* بداية
في مطلع القرن العشرين كانت اقتصاديات إمارة دبي تعتمد اعتمادا كبيرا على تجارة اللؤلؤ وإعادة تصدير البضائع بين الهند وبلاد فارس وبين دول الخليج الأخرى وكان دخل حكومة دبي في تلك الفترة بسيطاً للغاية فهو لا يتعدى إيرادات الضرائب التي كانت الحكومة تفرضها على سفن الغوص والتي لم تكن تتعدى 5% من دخل هذه السفن.
وكانت معظم تجارة دبي تأتي إليها من بلدة لنجة الواقعة على الساحل الفارسي للخليج حيث تفرغ هناك سفن شركة الهند التجارية البريطانية حمولتها ومن ثم يعاد توزيعها إلى موانئ الخليج العربي ومنها دبي وقد لعب جمرك دبي دوراً مهماً بوصفه الإدارة التي كانت تشرف على الاستيراد والتصدير كما كان يتولى مسؤولية الأنفاق على مرافق الإمارة البسيطة.
في تلك الفترة كان مجتمع دبي التجاري يضم ثلاث فئات رئيسية هي: التجار العرب والتجار الهنود والتجار الفرس حيث لعبت كل فئة دورا مميزا في خدمة اقتصاد دبي. وكانت أهم الخدمات الضرورية في تلك الفترة هي تنظيم الإدارة الجمركية المعروفة محليا باسم (الفرضة) لأن الجمرك يلعب دور الإدارة الجمركية في الإمارة في تلك الفترة.
تمركزت هذه المتطلبات في تسهيل المعاملات الجمركية وإلغاء بعض القيود عن الصادرات والواردات لتسهيل حركة انسياب التجارة وقد حظيت دبي منذ أواخر القرن التاسع عشر بحاكم متفتح ذي عقلية اقتصادية حكيمة هو الشيخ مكتوم بن حشر (1894-1906) الذي سرعان ما تنبه إلى أهمية التسهيلات الجمركية ليس فقط في خدمة المجتمع التجاري في دبي فحسب ولكن لجذب التجارة الخارجية إلى ميناء دبي أيضا.
ففي عام 1903 قام بإلغاء الضرائب الجمركية على الصادرات وقلص الضرائب الجمركية على الواردات إلى أقل من 4. 0% مما جعل من دبي ميناء حرا جذب إليها تجارة الخليج بأكملها، خاصة بعد انحسار تجارة لنجة وانتقال التجارة من هناك إلى ميناء دبي، لتبدأ بذلك فترة من أزهى فترات دبي الاقتصادية.
ترصدها : د. فاطمة الصايغ
