كتب التاريخ صفحات ملئت بحوادث الأيام والأعلام، وقد ولد مع تعاقب الليل والنهار أئمة هداة، جمعوا بين العلم والعمل، طلبوا العلم فأعلى شأنهم، وشمّروا للعمل فخلد ذكرهم، فحق لهم أن يسطر قلمُ الإعجاب والإكبار صفحات حياتهم؛ لتكون لمن خلفهم عبرة بها يعتبرون، وأسوة لها يقلدون.
دائما ما يستدعي الحفاظ على ذاكرة الشعوب البحث عن طرائق تساهم بفاعلية في ضمان تاريخ الكلمة المكتوبة كي يتسنى للاجيال الطالعة معرفة خلاصة العقول في ما أنجزته من صحائف كونت احدى اللبنات الاولى لحضارة القلم . ولقد شكلت المؤسسات والمراكز التي تعنى بسيرة الصحافة العربية والمخطوطات العلمية والفكرية حائطا دفاعيا ضد آفة النسيان والاستلاب وتهديد الهوية
«البيان» أخذت على عاتقها القيام بمساهمة احيائية لتراث الصحافة والمخطوطات والكتب النفيسة عبر تعاون مسؤول وفعال مع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث . لم نرد لهذه الصفحة أن تكون مجرد سياحة في الازمنة القديمة أو نبشا في الحنين، بل تذكيرا بجهود أناس وضعوا أقلامهم وأحلامهم رهنا بمقومات هذه الأمة .. وفي البدء كانت الكلمة.
ومن هؤلاء الأعلام أئمة الدين، الذين أضحى لهم الناس مُقلّدين، وإليهم في نسب العلم ينتسبون، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وقد كتب الناس في مناقبهم وأكثروا، ونظرة سريعة إلى كتاب (كشف الظنون) تُنبئ بصدق ما نقول. والكتاب الذي بين أيدينا ينتسب إلى هذا الصنف من كتب التراث، ألّفه عَلمٌ من أعلام القرن الحادي عشر، هو الإمام مرعي بن يوسف بن أبي بكر، الكرمي، المقدسي، الحنبلي.
وهو مؤرخ أديب، من كبار الفقهاء، وُلد ونشأ وترعرع في ربوع الأرض المباركة فلسطين، وبعدها انتقل إلى أرض الكنانة، وبقي فيها إلى أن غيّبته المنية في ثراها سنة 1033 ه.
له عدة مؤلفات في علوم القرآن، والفقه، والتاريخ، والأدب منها: الكلمات السنيات، ودليل الطالب، وغاية المنتهى، ونزهة الناظرين، وغيرها كثير، أما وقفتنا فستكون مع كتابه (تنوير بصائر المُقلّدين في مناقب الأئمة المجتهدين).
خصّص المؤلف هذا الكتاب لبيان مناقب الأئمة المجتهدين، وهم كثر، لكنّ المؤلف فصّل القول في الأربعة المشهورين: (أبي حنيفة النعمان عظيم المجتهدين، ومالك بن أنس نجم سنن المحدثين، ومحمد بن إدريس رئيس الفقهاء، وأحمد بن حنبل رأس الزاهدين وقامع المبتدعين».
منهجه
قسّم المؤلف كتابه إلى خمسة أبواب، تسبقها مقدمة، وقد سبق مقدمته بعد التحميد ذكر لمن ألّف في مناقب الأئمة، فكان أول من ذكرهم من المؤلّفين داود بن علي، إمام أهل الظاهر، تلاه سرد لأسماء مؤلفين آخرين، ثم بيّن أن المؤلفات التي سبقته منها (ما هو الموجز المخل، والمطنب الممل،...، ومنهم من يقتصر على مناقب إمام واحد)، وكان ذلك الذي رآه في مؤلفات من سبقه هو الدافع له على هذا التأليف، الذي وصفه بقوله:
«فهناك كتاب لم يسمح الزمان في مناقبهم مثله، ولم ينسج ناسج على منواله وشكله، لتسهيل عباراته، وتبيين إشاراته، وتقليل كلامه، وتحسين نظامه، معتمداً فيه ما اعتمده الأئمة الحُفاظ، فأصبح بذلك في غاية التحرير والحفاظ، فاشدد بما بين يديك، وتلق بالقبول ما يعرض عليك، فإنه جدير بأن يتلقى بالقبول...».
أما المقدمة فكانت في بيان المجتهدين عبر العصور ابتداءً من الصحابة الكرام، إذ وصفهم عموماً بالهداية، ولم يخصّ أحداً منهم بالذكر، ثم تلا ذلك ذكر لأسماء بعض المجتهدين مشفوعاً بعبارات موجزة عن كل واحد منهم.
أمّا أبواب الكتاب الأربعة الأولى فقد خصّ المؤلف كل باب منها بإمام من الأئمة الأربعة، مبتدئاً بأبي حنيفة، ثم مالك بن أنس، ثم محمد بن إدريس، ثم أحمد بن حنبل. وينتظم في كل باب عدد من الفصول، يُبيّن كل فصل منها جانباً من حياة الإمام، وقد اختلفت عدة الفصول وعناوينها تبعاً لحال الإمام وما خص به من الصفات، وما جرى له من الحوادث والمحن، نسج المؤلف كل ذلك بعبارة سهلة موجزة بليغة، مدعومة بالحجج المُحرّرة المعتمدة، بعيداً عن التعصّب والفضول.
أما الباب الخامس من الكتاب فقد خصّه المؤلف لمسائل متفرقة، عدتها خمس مسائل تتعلق بالتقليد، واختلاف الأئمة.
نسخة المخطوط
سعى مركز جمعة الماجد جاهداً إلى لمّ ما تفرق من مخطوطات التراث الإسلامي، وقد تحصّل له من مخطوطات هذا العنوان أربع نسخ مصورة مختلفة المصادر، أكملها وأجودها نسخة محفوظة في المركز برقم (10300)، وهي نسخة مصورة عن نسخة مكتبة تشستربيتي في ايرلندا، وهي محفوظة في الأصل برقم (4324)، وعدد أوراقها (92) ورقة، في كل ورقة (25 سطراً) وهي نسخة مكتوبة بخط نسخي جميل مشكول، كتبها علي بن عمر الشنواني من نسخة المؤلف، وكمل نسخها صبح يوم الأربعاء حادي عشر من محرم الحرام بعد عام ثلاثين بعد الألف من هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
وهذه عبارات موجزة منقولة من مقدمة المخطوط، تُبيّن منزلة أصحاب العلم وفضلهم، علّها تقع موقعها من قارئ منصف يطلب الحق وينشده، فيحفظ لأهل العلم قدرهم ومنزلتهم.
يقول المؤلف في صدر كتابه: «إن الله سبحانه وتعالى قد أوجد هذا العالم إيجاداً جميلاً، وفضّل بني آدم على كثير ممّن خلق تفضيلاً، وخصّ الأنبياء بمزيد من الفضل والكرامات حتى غدوا بذلك أنوار الكائنات،...، وجعل العلماء لهم وارثين، ولآثارهم مقتفين في بيان أحكام شرائع المكلفين، لا سيّما الأئمة المجتهدين، رضوان الله عليهم أجمعين، فهم في الفروع مختلفون، وفي الأصول متفقون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون،...،
فهم من الشريعة الغراء يستمدون، وللملة الغراء يعتمدون، وهم من أفضل أتباع المرسلين، وخير من آمن وصدّق النبيين لا سيّما أئمة المذاهب الأربعة المجتهدين، ففضلهم مشهور قديماً وحديثاً، وعلمهم منشور تفسيراً وحديثاً...)