بين الدراسة والصيام، والصلاة وختم القرآن، والجامعة والمسكن، يقضي الطلاب الإماراتيون في لبنان أوقاتهم خلال شهر رمضان المبارك، بانتظار مدفع الإفطار الذي يجمعهم حول مائدة طعام مشتركة رغم مجيئهم من إمارات مختلفة، وعدم معرفتهم السابقة لبعضهم بعضا.
عبد الله وسعيد وعيسى، نماذج من طلاب إماراتيين أتوا إلى لبنان لمتابعة دراساتهم العليا، وبما أن الدراسة تزامنت هذه السنة مع شهر رمضان المبارك في لبنان، فقد قرروا أن يكونوا معاً خلاله.
سعيد المزروعي (من دبي)، يعيش في لبنان منذ سنتين لمتابعة دراساته العليا في الجامعة العربية والجامعة اللبنانية ـ الأميركية، يحب لبنان كثيراً وقد أمضى فيه شهوراً رمضانية.
يرى سعيد أن رمضان في لبنان يحمل طابعاً روحانياًّ مختلفاً عن البلدان الأخرى، إذ يعتبر «أن كل ما يقال عن هذا البلد من عدم التزام الناس فيه بالواجبات الدينية إلى عدم احتشام النساء، هو كلام بعيد عن الصحة، وعلى العكس فإن الشعب اللبناني يحترم المناسبات الدينية ويندمج فيها، أما في الأيام العادية غير الرمضانية، فكل شخص حر بنفسه ولِيرتد ما يشاء ويفعل ما يحلو له».
يقضي سعيد أيامه في رمضان منغمساً بالعبادة، بين الصلاة والصيام وختم القرآن، ويقول انه لا يمكن أن يستوعب في نهار شهر رمضان أي درس ولو كانت المادة سهلة لذلك فهو يؤجل دراسته إلى فترة المساء على أن تمتد لساعات الصباح الأولى.
وعلى الرغم من الالتزام والانضباط في شهر رمضان، لم ينكر سعيد أنه يحب التنزه ليلاً في أسواق بيروت، كما أنه يقصد أحياناً الخيم الرمضانية في حال أنجز قسماً كبيراً من دراسته، ويقول «بعد صلاة العشاء وتأدية صلاة التراويح، أذهب مع أصدقائي إلى أسواق بيروت التجارية .
والى شارع الحمراء حيث نمضي بعض الوقت كي نستعيد الطاقة الفكرية استعداداً للتحضير لامتحانات الجامعة، وفي حال أنهينا جزءاً كبيراً من دراستنا نقصد الخيم الرمضانية، وهي تنتشر في معظم مناطق بيروت».
أما عيسى أحمد آل علي (أبوظبي) فلا يرى اختلافاً بين لبنان والإمارات من ناحية الأجواء الرمضانية وإنما «هناك خصوصية مميزة في المأكولات اللبنانية التي لا توجد في بلدان أخرى مثل الفتوش والتبولة وشوربة العدس(الممروتة)، ورغم أنني أشتاق أحياناً إلى الأكل الإماراتي مثل الهريس والأرز بالدجاج أو بالسمك، لكني مجبر على أن أرضى بالموجود».
والى جانب المأكولات اللبنانية، يحب عيسى أجواء المساجد في لبنان خلال شهر رمضان، فيقول «صحيح أن الفرائض هي نفسها التي نؤديها في مساجد لبنان والإمارات، لكن لبنان يتميز بالروح العائلية حتى في المسجد، فألاحظ الناس يهتمون بشؤون بعضهم البعض ويساعدون الآخر على تلبية حاجاته».
ويضيف مبتسماً: «لبنان في كل المناسبات روعة، وأكثر المناسبات التي نقصده فيها شهر رمضان وليلة رأس السنة، حيث نمضي رمضان في شارع الحمراء وأسواق بيروت والروشة ونقصد مساجد «السلام» و«العمري الكبير» و«الإمام علي»، أما في عيد رأس السنة الميلادية، فتحلو السهرات في مناطق بيروت الشرقية مثل الأشرفية وجبيل وغيرها».
وعلى عكس سعيد وعيسى، فإن عبدالله الزرعوني (الشارقة) يبدو أكثر جدية والتزاما سواء من ناحية الكلام أو من ناحية الخروج من غرفة الفندق للتنزه، فهو أب لطفلة لا يتجاوز عمرها السنة، ولذلك يحرص على التزام غرفته للتحدث هاتفياًّ مع عائلته.
لعبد الله أصدقاء كثر في الجامعة وعلاقته بهم وطيدة، يدعونه أحياناً للتنزه فيشعر بالإحراج، لذلك يتفق معهم على أوقات معينة للتنزه خصوصاً بعد الانتهاء من الدراسة، يقول: «ألتقي مع أصدقائي في المناسبات، وبما أننا في شهر رمضان أحب أن أفطر بوجودهم لأنني أشعر كأننا عائلة واحدة».
يفتقد عبد الله إلى عائلته في شهر الصيام، لكنه مضطر، كما يقول، أن يبقى في لبنان من أجل إنهاء امتحاناته في الجامعة العربية، «الا أن هذا لا يعني أنني لا أحب لبنان أو قضاء شهر رمضان فيه.
وإنما أفضّل دائماً بقاء زوجتي وابنتي معي وهذا ما افتقده في لبنان، لذلك أحاول تمضية وقتي في الجامعة ثم آتي إلى غرفتي كي أدرس وأقوم بواجبات الصلاة وقراءة القرآن، وفي كل الأحوال لا أريد أن أضيع الوقت في التنزه فرمضان له خصوصية ويجب أن نحترمها».
سيغادر عبد الله إلى الإمارات في آخر رمضان كي يطمئن على العائلة، لكنه ينبّه كل من عيسى وسعيد ضاحكاً بعدم إلهائه بالنزهات ويقولس لقد زرت مناطق لبنانية كثيرة سابقاً، فقصدت بعلبك وأعجبتني كثيراً، وذهبت إلى تنورين والأرز وبحمدون، لكن في فترة الامتحانات لا أفضل الخروج من غرفتي، خصوصاً أننا صائمون».
هؤلاء الشباب جمعتهم الغربة في مكان واحد، ورغم أنهم يسكنون في الفندق نفسه، فلا يجتمعون سوى في المناسبات، وها هو رمضان يجمعهم يومياًّ على مائدة إفطار واحدة.
بيروت ـ إيمان عجينة