«الصحابة مثل النجوم بأيهم نقتدي نهتدي»، خصهم النبي صلى الله عليه وسلم وسقاهم من إيمانه، وأفاض عليهم من نوره، وآتاهم مما أتاه الله، من جرأة في الحق، وقوة في العلم، ونبل في الهدف، وقدرة خارقة على جهاد النفس والعدو، ويقين بأن الخير كله في حب الله ورسوله، وأن الشر كله في معصيتهما والبعد عن طريقهما.

ومن هؤلاء النجوم «قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري»، الذي كان مثلاً يضرب لمن حكم فعدل، وقاتل فرحم، وجاد فأغدق، وأخلص العبادة، وزهد في الدنيا فأدهش الزهاد والعباد.

حول هذه الشخصية الخالدة يقدم لنا الدكتور عبدالعزيز غنيم عبدالقادر أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية كتابه الجديد: «قيس بن سعد الأنصاري». في البداية يتحدث المؤلف عن نشأة قيس مبيناً أنه ولد في يثرب قبل انبثاق الإسلام فيها، وكان فتى يافعاً، وشاباً قوياً عندما انقاد أبوه للحق، وانضوى تحت لواء الحنيفية السمحة.

وقد نشأ قيس في بيت كرم وشرف، فجده دليم الذي كان أحد سادة بني ساعدة، وأجواد الخزرج، وكان يُنادي على أطمة كل صباح، وكل مساء: من كان يريد اللحم أو التمر، أو السمن، فليأت أَطُم دُليم.

وليأخذ حاجته من هذه الأطعمة. وجده عبادة الذي كان صنو دُليم في بطولته وفروسته، وفي شهامته ومروءته، وقد كان له بدنة التي كان يهديها في كل عام إلى الكعبة البيت الحرام، والتي لم يكن يصد عن لحمها الإنسان ولا الحيوان ولا الطير.

وأبوه سعد الذي نسج على منوالهما، وزاد عليهما، حتى ضربت الأمثال بجوده، ومشيت الركبان بمدحه، والثناء عليه.ومثل هذا البيت السامق لا ينشأ أبناؤه إلا على حب الفضائل، وبغض الرذائل، وعمل الخير، واشاعة البر، والتمكين للأخلاق الرضية، والشيم الزكية، وكذلك كان قيس منذ عقل ما حوله إلى أن وافاه أجله.

وتحت عنوان: «قيس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم» يشير المؤلف إلى أن الله عز وجل شاء أن يرفع قدر قيس، ويعلي مكانته، ويؤكد الوشائج والصلات التي تدنيه من نبيه صلوات الله عليه، وتجعله ذا حظوة لديه، ومكانة في نفسه.

فقد ذكر الرواة أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كاد يدخل المدينة، ويقيم بين ظهراني أهلها حتى صحب سعد بن عبادة ولده قيس، ومضى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وسأله أن يجعله ضمن خدامه، ووافق صلوات الله وسلامه عليه على الفور. وهكذا سنحت الفرصة لقيس بن سعد ليتأدب على يدي النبي عليه الصلاة والسلام، ويغترف من بحر علمه الذي لا ساحل له.

ولا شك أن ما اشتهر به من العلم والمعرفة والخبرة التجريبية والزهد والعبادة إلا نتيجة لهذا القرب الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم، والفوائد الجمة التي أخذها منه وتلقاها عنه.

ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يخص قيسا بمهمة بعينها، وإنما كان يلقي على عاتقه من المهام ما يتلاءم مع ما وهبه الله تعالى له من الاستعداد، فقد روى الرواة أن قيساً رضي الله عنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة مع الآمير.

ومعنى هذا أنه كان إذا أراد أن يستدعي أحداً، أرسل إليه قيساً، وإذا أراد أن ينفذ حكماً، عهد به إليه، إلى آخر ذلك مما هو داخل في مهمة صاحب الشرطة. ولا شك في أن ما أتاه الله إياه من بسطة في الجسم، وقوة في البدن، كانت هي العلة في إسناد هذه المهمة إليه دون غيره.

وقد ألقى النبي عليه الصلاة والسلام على كاهل قيس مهمة أخرى قريبة الشبه بسابقتها، وهى جباية الصدقات، ومعناها جمع الزكاة ممن تجب عليهم وتوصيلها إلى بيت المال لتوزيعها على الفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب، والغارمين وفي سبيل الله، وابن السبيل، كل حسب حقه الذي يحدده النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان قيس عند حسن ظن النبي صلى الله عليه وسلم به، فلم يرو أحد من الرواة، ولا من الإخباريين أنه عليه الصلاة والسلام قد أخذ عليه في ممارسته لهذه المهمة شيئاً ولا لامه على عجز ولا تقصير.

وقد كان صلوات الله وسلامه عليه إذا لاحظ على أحد من عماله ما يشينه، أو يشكك في براءة ذمته، لا يتردد في إذاعته، والافصاح منه حتى لا يتورط فيه غيره، ولا ينسج على منواله سواه. كما ألقى عليه الصلاة والسلام على عاتق قيس رضي الله عنه مهمة ثالثة أكبر وأخطر من المهمتين السابقتين.

وهى إشراكه في المعارك والحروب التي دارت رحاها بينه وبين أعدائه، فقد اصطحبه صلوات الله وسلامه عليه في غزواته، وأمره على بعض سراياه وكان يدفع إليه راية الأنصار، تماماً كما كان يدفع إلى «علي» كرم الله وجهه راية المهاجرين. ومثلما حمل قيس المهمتين السابقتين في أمانة وشرف.

وفي قوة وكفاءة فقد حمل المهمة الثالثة في إخلاص نادر، واحتمال ظاهر، وكياسة لا تتاح إلا لعباقرة الحروب، وأقطاب المعارك والمجامع. ولاعجب في ذلك، فهو الفارس المعلم، والقائد المقدم، والفدائي الذي يحمل روحه على كفيه في سبيل نشر دينه، وإعلاء لواء نبيه.

وعن مكانة قيس في عصر الراشدين رضي الله عنهم يوضح المؤلف أن الخلفاء عرفوا فضله، وقدروا جهده، وأنزلوه المنزل الذي يليق به، والذي يتفق وقدمه في الجهاد، وماضيه في نصرة الحق، والتمكين له في الأرض.

ويرجع المؤلف هذا إلى سببين:

الأول: ماكان عليه قيس من الدهاء والذكاء، فقد اتفق الرواة على ان دهاة العرب أربعة: قيس بن سعد، وعبدالله بن بديل بن ورقاء، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم جميعا.

ولم يكن قيس رضي الله عنه يستعمل دهاءه فيما يؤذي ويضر، وإنما كان يستعمله فيما ينفع ويسر.ومن هنا علت مكانته، وانتشرت محبة الناس له، وقد شاع عنه في هذا المجال قوله: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المكر والخديعة في النار» لكنت من أمكر هذه الأمة، وقوله: «لولا الإسلام لمكرت مكراً لا تطيقه العرب».

الثاني: هو إيثاره رضي الله عنه للطاعة ودخوله فيما دخلت فيه الجماعة، ونأيه عن الخلاف والفتنة، وانحيازه إلى الالتئام والوحدة، فقد اجتمع الأنصار فور وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة، وأرادوا إجلاس سعد بن عبادة على أريكة الخلافة.

وبلغ الخبر أبا بكر وعمر وأبا عبيدة رضي الله عنهم، فذهبوا إليهم، ودخلوا في جدال وحوار معهم ومازالوا بهم حتى أعطوا الصديق رضي الله عنه صفقة أيديهم.. ولم يشذ عن هذا الاجتماع غير سعد، فقد لج وكابر، وأبى أن يدخل فيما دخل فيه قومه، من بيعة أبي بكر والاتفاق على استخلافه.

ويتوقف بنا المؤلف في النهاية عند حياة قيس في خلافة علي رضي الله عنهما، مؤكدا أن قيساً كان ممن سارعوا إلى أبي الحسن ووضعوا أيديهم في يده، شأنه في هذا شأن غيره من المهاجرين والأنصار الذين لم يخامرهم الشك في أنه أهل للخلافة، وأحق بها ممن سواه من أصحاب الشورى، وغيرهم من سائر الأمة.

القاهرة ـ مصطفى علي محمود