تواصلاً لنشاطه الثقافي الأسبوعي، أقام نادي الشعر في اتحاد كتَّاب وأدباء الإمارات في الشارقة أول من أمس أمسية شعرية شارك فيها الشاعران الدكتور علي جعفر العلاق، وأحمد أبو الفضل بدران بمجموعة قصائد تنوعت بين العمودي والتفعيلة والشعر العامي، وتوزعت موضوعاتها بين الوجدانية والوطنية والفلسفية والسياسية.
استعرض الزميل وائل الجشي، الذي قدم للأمسية، إسهامات الشاعرين النقدية وإصداراتهما وأبحاثهما ومشاركاتهما ... ودارت في فضاء الأمسية أسئلة حول علاقة الشعر بالنقد، وإمكانية أن يجمع المبدع بين النقد الذي يحتاج إلى مشاعر حيادية وموضوعية، وبين الشعر الذي يحتاج إلى جنون ورهافة حس، إلى طفولة وخيال ورؤيا وتحليق ...
هذا وقد بدأ الدكتور العلاق مشاركته بسؤال: كيف تتأتى للذات الواحدة أن تجمع قوتين متناقضتين «الشعر والنقد»؟ الناقد حسود مشاكس، والشاعر طفل زوّد بعينين مندهشتين طوال حياته.ومن ثم انتقل إلى عراقه بسؤال آخر عن محمود درويش: هل كان صادقاً ـ أي درويش ـ عندما قال الشعر يولد في العراق فكن عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي؟
أم هل لأن العراق هي أرض من الأضداد كما قال الشاعر العلاق في قصيدته التي يهديها إلى الجواهري:
لمن تغني أيها الراحل؟
دجلة لا ضوء ولا ساحل
أرض من الأضداد: قيثارة
وقاتل يعقبه قاتل
أرض من الأضداد: كم أشرقت
وكم غفا مصباحها الذابل
أرض من الأضداد يا سيدي
تُغني وتبعث طفلة بابل
دم البابليين قصيدته التالية، يعود فيها الشاعر العلاق إلى الماضي متكئاً على الحضارة تارة وعلى الأسطورة تارة أخرى ليشكل رموزاً جديدة تفتح أبواب التأويل وتعيد صياغة أسئلة تستشرف الآتي كما تتعمق بالجذور:
حمورابي غبار يطرز أحذية الجند
وعشتار عارية
لا قميصاً يلف على حزنها
ولا بلد ...
يتوقف الشاعر العلاق عند قصيدة دم البابليين ليتبادل دورية الإلقاء مع الشاعر الدكتور بدران الذي يفتتح مشاركته بقصيدة بيني وبينك التي مطلعها:
بيني وبينك أرجوحة ظل يا وطني
هذا الزمن المتربع فوق ضفافك لا زمن
لينتقل بعد ذلك إلى قصيدة «لا تلتفت إلى الوراء» ومن ثم مرثية شعبان الفياحي التي تحكي قصة فلاح «فقير تتآمر عليه النخلات البريئة كان يقطع ثمارها فتقتله.. ومن ثم قصيدة «قيل قد» التي تحكي عن علاقة حب وتفاصيل اللقاء والفراق.. ليتوقف عن الإلقاء بقصيدة «ورق» المملة بما تحويه من تعداد عن علاقة الإنسان والأشياء بالورق. إن ما يميز هذه الأمسية سلباً ليس المقارنة بين شاعر وآخر تفرضها عليك آلية المشاركة وتبادل الإلقاء وحسب،
بل إن الشعر بحاجة عادة إلى دفقات حسية وتخيلية وانسجام في أجواء متجانسة حتى يتسنى للمستمع تشكيل انطباعاته التي قد تصل أحياناً إلى رؤيا الشاعر أو القصيدة ... وهذا التواصل بين الشاعر والمتلقي مزقه هذا التبادل للإلقاء من جهة والأجواء الشعرية وفضاءات القصائد المتباينة من جهة ثانية، وإن كان ثمة انسجام بين العلاق وبدران على الصعيد النقدي، فهذا لا يعني أن يكون هناك ـ بالضرورة ـ انسجام على الصعيد الشعري.
وما يميز هذه الأمسية إيجاباً، ذاك النقاش الذي دار في نهايتها عن الأسطورة والتاريخ من جهة واستعادة رموز من الماضي أو شخصيات من الأساطير كعشتار وجلجامش وبابل وأبي عبدالله .. وعلاقة جلجامشن بالحسين وأسئلة الحياة والموت من جهة ثانية.