ما أن يحل فصل الصيف، وتأخذ الشمس بلفح الوجوه، حتى ينتشرون مثل فرق الإطفاء في شوارع وساحات المدن المغربية، خصوصاً الداخلية منها التي لا تطل على سواحل الأطلسي. يروون عطش الصغار والكبار ممن ألهبتهم الحرارة مقابل بضعة دراهم.

إنهم السقاؤون أو «الكرابة» كما يُطلق عليهم نسبة إلى قربتهم المصنوعة من جلد الماعز الأسود، وقد ارتدوا بدلتهم الحمراء المزركشة التي لا تخطئها العين، ووضعوا على رؤوسهم قبعات مصنوعة من الدوم، وعند خاصرتهم قطعة من الجلد المقوّى مزيّنة بالنقود القديمة، وفي يد كل واحد منهم جرس من نحاس يقرعونه ليصل رنينه إلى كل من أحس بالظمأ، وكان بحاجة إلى جرعة ماء.

وفي مدن تعرف بحرارتها المفرطة مثل مراكش وفاس ومكناس يتمركز «الكرابة» عند مآثرها التاريخية وفي أسواقها القديمة وقرب أضرحة الأولياء أو «محطات البيع» كما يسمونها، يبحثون عن مصدر عيشهم الوحيد بين المارة والمتبضعين والزائرين عسى أن يعوّضوا شيئاً عن بطالة الشتاء، والمحظوظ منهم من يعثر على سائح من «الخواجات» يلتقط معه صورة تذكارية لمهنة في طريقها إلى الانقراض.

ويمزج ماء «الكرابة» عادة بالقطران، وهناك من المغاربة من يفضلونه على الماء العادي ظناً منهم أنه صحي للجسم، بينما يرى البعض ان تناوله يعيدهم إلى ماض سحيق، حيث كان «الكرابة» الوسيلة المتاحة لتأمين حاجة البيوت من ماء الشرب قبل أن تمتد شبكة أنابيب المياه إلى كل مكان، لذلك يحرص كثيرون على أن يكون «الكراب» حاضراً في اعراسهم يوزع الماء على المدعوين، ويضفي على المناسبة مسحة من بساطة تلك الأيام.

حين سألنا عبد الله قيدوم (عميد) الكرابة في مدينة مكناس عن واقع المهنة بين الأمس واليوم بادرنا بالقول وعلامة الأسى بادية على وجهه: دخلت هذه المهنة وأنا مازلت شابا، وأمضيت فيها حتى الآن أكثر من 50 سنة. كنا نروي ظمأ الناس بفرنك واحد، ولم يكونوا بخلاء معنا، كما نراهم الآن، فقد تحولنا في نظرهم إلى متسوّلين.

ويواصل عبد الله حديثه قائلاً: أكلنا وشربنا من هذه المهنة عندما كانت مزدهرة، وكان السياح يهرعون للتصوير معنا باعتبارنا نمثل لهم تاريخ المدينة بلباسنا، وما نحمله على ظهورنا، أما اليوم فإن الجيل الحالي ينظر إلينا نظرة شفقة ناسيا اننا نقدم له خدمة لا تقدر بثمن.

الرباط ـ رضا الأعرجي