يحتاج الوصول إلى جزيرة السمالية الواقعة قبالة أبوظبي إلى حوالي خمس دقائق من الزمن. فمن شاطيء الراحة وعلى متن زورق يمخر عباب الماء، تطل «السمالية» الرابضة في قلب البحر، بهندسة جمعت بين عناصر الطبيعة، ومجهود الإنسان، وتنبش جزيرة «السمالية» التي يشرف عليها نادي تراث الإمارات الماضي بأبنيته التي احتاجها اسمنت المدينة.
من خلال بيوت امتزجت حجارتها بذكريات التاريخ، إنها عودة لبناء البيوت بشكلها التراثي، وتجلت أكثر في «بيت النوخذة» للمواطن علي بن حسن الرميثي، الذي يحرص على صون البيئة المحلية، فالأحجار والأخشاب والجص والسعف وغيرها، شكلت مادة أساسية للبناء بيد الرميثي الذي أكد «عدم استعانته بأي من مواد البناء الحديثة، بل اعتمد على المواد القديمة كلياً».
* لكل ركن حكاية شيد هذا البيت الذي يحفظ الذاكرة المحلية بأحجار مرجانية، تم نقلها من مختلف أنحاء الإمارات، بالإضافة إلى بعض الحجارة والخامات الشبيهة من بلدان أخرى. وعلى مدار ستة أشهر انتهى بناء البيت على مساحة 100 قدم * 100 قدم.تبدأ الحكاية من الباب الذي يشكل جواز المرور إلى هذا البيت، ولكل ركن فيه حكاية.
قال الرميثي: «أمام الباب، وتحت سقف يحمي من الشمس والأمطار، هناك مقاعد على اليمين واليسار، يجلس عليها الزائر من أهل المنطقة، بانتظار فتح الباب». ثم تبدأ الجولة مع «الليوان» الذي يقع على يمين المدخل، وينبعث الهواء من أحد اجزائه بشكل ملفت.وأوضح الرميثي قائلاً: «يأتي الهواء عن طريق (البراجيل) ولكن البراجيل ليست المنفذ الوحيد لـ «الليوان»، فهناك نوافذ تطل على الحوش «ساحة الدار الداخلية».
وتجاور هذه النوافذ، «الدريشة» وهي عبارة عن أقواس محفورة في الجدران، تستخدم كالرفوف لإبعاد الأغراض كالمنجرة وغيرها عن أيدي الأطفال. ويحمل الجدار أيضاً «المطوى» وهي مصنوعة من الخشب، وتعلق عليها الملابس والمصابيح والخناجر».وفي إحدى المساحات يوجد صندوق كبير مصنوع من الخشب، كان يطلق عليه الناس قديماً، كما قال الرميثي، «صندوق سرتي لأنه يحفظ الأسرار من نقود إلى ذهب، وغيرها من أشياء خاصة».
هذه أماكن الأيام العادية أما في أيام الصيف، وبعد صعود العديد من الأدراج صنعت من خامات البناء ذاتها كالجص، والأخشاب والأحجار تصل إلى الطابق العلوي، الذي يتكون من غرفة.وصفها الرميثي قائلاً: «هناك نوافذ سفلية وعلوية على مساحات الجدران الأربعة تساعد الناس الذين كانوا ينامون فيها سابقاً خلال فترة الصيف، من التقليل من شعورهم بالحرارة، إذ كانوا يضعون رؤوسهم، عند إحدى النوافذ التي تبعث تياراً هوائياً، يساعد على التخفيف من حرارة الصيف».
* أركان أخرى
ويوضح الرميثي أن هذا الجزء من المنزل يقع في جوار مطبخ يتكون من «كوار» توضع عليه دلال القهوة، ويتخذ مقراً له في زاوية البيت.والكوار مكان للفحم والأخشاب، وبالتالي لإشعال النار، بالإضافة إلى بعض أدوات المطبخ من الفضة وغيرها وبجانبه توجد «الخريجة» وفيها البئر ومستلزمات الغسيل، ومن ثم المخزن. الذي يتألف من غرفتين للنوم وللأطفال.
وتحتل غرفة الضيوف احدى الزوايا المطلة على «الحوش»، وقال الرميثي: «هناك باب خاص بغرفة الضيوف القادمين من أماكن مختلفة، ويستقبل عادة أهل الدار ضيوفهم من دون سؤالهم عن سبب مجيئهم لمدة تصل إلى ثلاثة أيام أحياناً، يقدمون خلالها الضيافة الكاملة، فإما أن يبقى بعدها الضيف أو يذهب قبل مرور ثلاثة أيام أحياناً».
والغرفة مليئة بالنوافذ ليراقب الضيوف الإبل والمتاع وصبغت الغرفة، كما سائر انحاء المنزل بلون نتج، عن صبغة طبيعة موجودة في جزيرة «دلما» وجزيرة أبوموسى، واللون لا يتغير مع مرور الزمن». وفي آخر الدار، هناك غرفة، يطلقون عليها «مخزن» وتقع على يسار الباب الرئيسي، ويلجأ أهل الدار إلى هذه الغرفة في أيام الشتاء،
وتحتوي على سرير ومرايا على الجدار، تهدف إلى عكس صور الاشخاص، الذين يتحركون في الحوش. الذي يتوسط الدار، وفيه كان تزرع أشجار من السدرة وغيرها، ويقع إلى جانب الدار، «الحاوي» وهو عبارة عن خيم مشيدة من القصب، ويختلف تصميم هذا «الحوش» باختلاف المستوى الاجتماعي والمادي للعائلة».
* امتداد
ويمثل الطابع التراثي ليشمل السوق القديم، الذي يتألف من مجموعة من الدكاكين المتقابلة، تحت سطح مسقوف، وبجانبه بنت «المدبسة» التي كانت تتم فيها، عملية تخمير التمور، واستخراج الدبس أما «المدبسة» الحديثة، التي تقع بجانب القديمة فلا تزال محاولات هندستها الداخلية مستمرة، لتفي بالغرض.
ويشمل اهتمام الرميثي بالمكان ومتابعة تفاصيله بحيوية ، كل ما يحيط بالدار. ولتأكيده على البيئة البحرية، وضع الرميثي الهيكل العظمي لحوت «الحيل» الذي عثر عليه نافقاً على «شواطيء الإمارات الشمالية ليقوم بتنظيفه، والحفاظ على هيكله العظمي العملاق.
تعيد الدار التراثية وكل ما هو موجود على الجزيرة، إلينا ذكريات الماضي القريب، التي ربما لم يتعرف عليها الجيل الجيد، ولعل ما يجري على أرض «السمالية» ماضياً وحاضراً، هو محاولة ميدانية للحفاظ على التراث بعيداً عن الكتب والأقوال، إنه كتابة جديدة بالرمال والحجارة والأخشاب، التي تحمل عبق الماضي إلى الحاضر والمستقب.
أبوظبي ـ عبير يونس