«صنع في لبنان»، علامة تجارية اختارها طلاب قسم الهندسة الميكانيكية في الجامعة اللبنانية الأميركية الذين تمكنوا من صنع طائرة في إطار برنامجهم الأكاديمي وحلقوا بها في سماء الاختراع. بدأت القصة عندما أعلنت الجامعة عن مادة اختيارية جديدة يمكن لطلاب السنوات الثانية والثالثة والرابعة في قسم الهندسة الميكانيكية أن ينتسبوا إليها، وهي مادة تصميم الطائرات تحت اشراف الدكتور ميشيل خوري العائد حديثاً من الولايات المتحدة حيث عمل في شركات تصنيع الطائرات.
أثارت المادة حماسة الطلاب فكان الفضول سبباً دفعهم لدرس هذه المادة بعد علمهم أنها لن تكون نظرية فحسب بل ستكون وسيلة دخولهم الى مشغل الجامعة، حيث سيصممون وينفذون أول طائرة في لبنان. «كان بمثابة الحلم بالنسبة لي وقد تحقق»، يقول وسام صقر الطالب في السنة الرابعة الذي شارك في انجاز هذا العمل مع أربعة عشر طالباً من زملائه، ويضيف «لقد أحببت الطيران منذ صغري
وكنت أقرأ المقالات في الصحف والمجلات المتخصصة حول كيفية تصنيع الطائرة أو تصميمها الداخلي، ولكنني لم أتوقع أبدا أن الفرصة ستسنح لي فأقوم بتصميم وتصنيع طائرتي، لذا لم أتردد لحظة في الدخول الى هذا الصف، كما أنني لم أندم أبداً طوال فترة العمل».
* كيف جرى تقسيم المهام وكيف واجه الطلاب الأكاديميون فكرة العمل الجماعي ؟
يجيب أدون سدنجي الطالب في السنة الثانية: «لقد تم العمل على مرحلتين، في المرحلة الأولى وبعد أن أخذنا بعض الدروس النظرية، تم تقسيمنا إلى ثلاث فرق من خمسة أشخاص وبدأنا بوضع التصميم الأولي وكانت المنافسة على أشدّها بيننا لأن الجميع أراد تقديم الأفضل ولكن هذا لايعني اننا تباعدنا أو نفرنا من بعضنا لأننا سعينا للأفضل، وكنا نتساعد حتى نكون عند توقعات أستاذنا المشرف الذي وثق بنا وبامكانياتنا، وجامعتنا التي أعطتنا هذه الفرصة النادرة للإبداع.
وأضاف سدنجي: «استمرت هذه الفترة ثمانية أسابيع قدمنا خلالها سبعة نماذج اختلفت من حيث الانسيابية أو الوزن أو القياسات ولكن في النهاية وافق الدكتور المشرف على التصميم الأنسب. وبدأ العمل التطبيقي أو اليدوي على أساس المجموعات
الثلاث، واتفقنا على أن يبدأ كل فريق بقسم من الطائرة، أي أن يأخذ الفريق الأول الجسم المادي للطائرة وآخر الذيل وثالث الجناحين. كنا بمثابة اليد الواحدة التي تعاونت لتبني هذه الطائرة، وبالرغم من ضآلة الامكانات المتوفرة لدينا استطعنا تخطي العقبات وبتعاوننا وصلنا الى هدفنا».
ولم يخلُ تنفيذ هذا المشروع من الصعوبات، التي شرحها عميد قسم الهندسة الميكانيكية في الجامعة الدكتور ايلي بدر ومنها ان الجامعة لم تستطع شراء محرك كبير سبب التكلفة العالية لاستيراده من الخارج لذلك اشترينا محركاً لطائرة صغيرة، وهذا سبب حجم طائرتنا المتواضع.
واستطاع الطلاب أن يصنعوا كل الأدوات الاخرى اللازمة للطائرة أو شراء الأغراض الأخرى من السوق اللبناني، علماً أن الجامعة هي التي تكفلت بالمصاريف كافة، لأن الطائرة هي جزء من المنهج التعليمي الذي وضعته من أجل طلابها ليتعرفوا على العمل الفعلي على أرض الواقع ويخرجوا من «أكاديمية» قاعات المحاضرات.
وأشار الدكتور بدر إلى «أن الجامعة أخذت على عاتقها تحمل نتائج هذه الخطوة الجريئة والفريدة من نوعها «لأن هذه الطائرة لم تقلد طائرات سابقة، ولم تعتمد على نموذج صمم ونفذ في السابق، بل على جهد الطلاب الخاص».وأسف بدر لعدم تقديم الدولة أي مساعدة لهذا المشروع لا سيما للشباب الذي عمل جاهداً لإبراز مواهبه وقدراته على الخلق والإبداع. هذا الشباب هو ما يحتاج اليه الوطن حتى يصحو من أزمته الاقتصادية والصناعية.
* كيف يصف الطلاب طائرتهم ؟
يقول الطالب قزحيا الحلو بفخر جرى التصميم الكامل لهذه الطائرة من المقاسات والديناميكا الهوائية والدفع والثبات والدراسات التجارية وتمت الصناعة الكاملة لها في مشغل الجامعة، وقد تدخلنا في كل التفاصيل حتى أبسط الامور فمقبض الباب مثلاً الذي كنا قد طلبنا من حداد ان يقوم بصنعه، لم نقتنع بالشكل الذي ظهر فيه فعدنا وصنعناه بأنفسنا، كنا نعمل أكثر من عشر ساعات يوميا وأذكر أننا في نهاية الاسبوع الأخير بقينا سبع عشرة ساعة في المشغل من دون أن نشعر بالوقت،
فالعمل كان يأخذ كل تركيزنا واهتمامنا لا سيّما أننا نرى معالم الطائرة تتضح أمامنا، طائرتنا كانت من النوع النموذجي وهي مصغّرة إلى حوالي ثلث الحجم الاساسي الذي كنا نريده، بسبب حجم المحرك الصغير . طولها 8,1 متر وعرضها متران. وهي مصنوعة من خشب البلزا ومغطاة بنيلون يتقلص مع الحرارة. وقد قطعنا ضلع الجانح والحواجز في جسم الطائرة بآلة لايزر (س ن س).
أما وزن الطائرة فبلغ 5,5 كيلوغرامات وهي قادرة على حمل 10 كلغ وهذه المحدودية في الحجم تعود الى عدم توفر المحرك المناسب في الأسواق.ولم يؤثر الحجم كثيراً على قدرة الطائرة على الطيران، حيث أطلقت للمرة الأولى في مطار حامات وقد ارتفعت عالياً في السماء لدرجة لم يعد يرها أحد، وقد تم التحكم بها بواسطة «ريموت كونترول».
ويصف الحلو شعوره لدى إطلاق الطائرة قائلاً: أحسست أنني أرى ابني الصغير وهو يمشي للمرة الأولى، لأنني وكل زملائي تعلقنا كثيراً بهذه الطائرة التي أخذت منا مجهوداً فكرياً وجسدياً هائلاً». وارتأى الطلاب أن يتركوا مشروعهم المقبل مفاجأة ولكنهم وعدوا بأنه سيكون عملا محترفا ومتقناً، وعن ذلك يقول سدونجي: «لقد انطلقنا الآن وتعرفنا على أساسيات العمل في التصنيع،
لذلك فإن تطوير ما توصلنا إليه لن يكون صعبا لا سيما أن نجاح مشروعنا جذب العديد من التلاميذ الى مادة تصميم الطائرات. ولكننا نستغرب غياب الاهتمام الرسمي بنا ولو على سبيل الدعم المعنوي، كدعوتنا للمشاركة بالمعارض الصناعية المبتكرة في لبنان أو اعطائنا شهادات تقدير أو براءة اختراع، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث ولم يلتفت إلينا احد. هذا الأمر يؤثر في نفوسنا كطلاب يحلمون بالتقدير على جهودهم أو على الاقل بفرص عمل تتناسب مع مستواهم الجامعي والتعليمي».
يتساءل الطلاب: لقد حلقت أول طائرة صنعت في لبنان فهل نحلم في المستقبل القريب بأن تتطور هذه الصناعة فنرى طائرات لبنانية تحلق من دولة الى أخرى؟ الأمر يبدو مستبعداً، إذ ان الشباب ينظر بحذر الى المستقبل الضبابي الذي ينتظره، والدليل على ذلك الطالب قزحيا الذي قال: «تخرجت منذ شهرين وبدأت مشوار البحث عن عمل، ولكن للأسف من دون جدوى، لذا بدأت بتقديم طلبات للهجرة إلى الخارج».
بيروت ـ دينا زين الدين