تشهد موانئ ومطارات الجزائر هذه الأيام حركة غير عادية، إذ يتدفق آلاف من المغتربين المقيمين في أوروبا يومياً لقضاء موسم العطل السنوية، وقال مسؤول في مطار الجزائر إن أكثر من 35 ألف مهاجر نزلوا في المطار منذ بداية يوليو الماضي وأن الرقم سيصل إلى نحو 80 ألفا عند نهاية الشهر الجاري.
وأكد أن معظم الرحلات التي تأتي من أوربا تحمل مهاجرين كما نزل في ميناء العاصمة حتى بداية الشهر الجاري أكثر من عشرة آلاف مهاجر فضلوا السفر بالبواخر.
* هدايا وأفراح
ويأتي المغتربون عادة محملين بالهدايا للأهل والأقارب والأصدقاء، تتمثل خاصة في ملابس وأحذية وأدوات كهربائية والكترونية والألعاب، توزع على أصحابها خلال الزيارات والجلسات العائلية. لكن هذه العادة صارت اليوم شكلية فحسب. ففي السابق كانت الندرة وكان الغلاء، وهما عاملان كافيان لتبرير طمع الناس في الحصول على شيء ممن يأتون من فرنسا وكانت تلك الهدايا ترمز إلى «بحبوحة» يعيش فيها المغتربون على خلاف من بقي في البلد، أما اليوم فصارت الوفرة في السوق الجزائري على ما هي عليه الحال في فرنسا والأسعار أقل بكثير.
وتستغل عائلات كثيرة من المغتربين فرصة وجودها بالجزائر لتنظيم حفلات الزفاف وختان الأطفال، وتفضل في الغالب تزويج بناتها بشباب مقيم في الجزائر كما يفضل عدد كبير من الشباب المهاجر الفتيات اللائي تربين في الجزائر للزواج ربما لترسبات ذهنية وعقائدية، وأسباب نفسية تتعلق بطبيعة المجتمع الغربي، الذي يرون أنه أقل اهتماماً بالقيم الأخلاقية والتقاليد الأسرية من بلدهم الأصلي، خاصة فيما يتصل بموضوع المرأة وبناء الأسرة. وبهذا تكون العطل الصيفية مناسبة للتواصل وتوفير الجو الذي يسمح بتحقيق هذه الأغراض.
وتشير إحصائيات شبه رسمية إلى أن العائلات المغتربة نظمت خلال شهري يوليو وأغسطس من السنة الماضية أكثر من مئة حفل زفاف بولاية سطيف وحدها والعدد ذاته تقريباً بولاية تيزي وزو كبرى ولايات منطقة القبائل. وشهدت 48 ولاية جزائرية بشكل متفاوت أفراحاً من هذا النوع.
وبحسب الإحصائيات المتوفرة فإن نسبة عالية ممن يقضون العطل في الجزائر من مزدوجي الجنسية وهم الشباب الذين ولدوا بفرنسا ويسجلون فرنسيين لكنهم مرتبطون ببلدهم الأصلي بفضل أوليائهم. وقال محمد نجيب صديقي وهو مغترب يملك ورشة لصناعة الأرائك الفاخرة في باريس «أطفالي لا يحسنون العربية ولا حتى الأمازيغية، وهي اللغة التي نتعامل بها أنا وأمهم في البيت، لكن في كل عام أحملهم إلى القرية وهم اليوم يعرفون أصلهم ويستعجلون وصول العطلة للالتقاء بأصدقاء وأقارب في القرية» وكان محمد قد قدم هذا العام وهو يستعد لإقامة حفل ختان ابنه الأصغر ذي الخمس سنوات.
ولمحمد أخوان فريد ومرتضى ويقيمان أيضا مع أبنائهما في فرنسا. لكن في كل عام يحلون في قرية «لعزيب» الصغيرة، ويلتئمون في بيت الوالد عبد العزيز الذي كان بدوره مهاجراً في بداية الخمسينات واشتغل في باريس ثلاث سنوات.
* الكادحون الأغنياء
في منطقة القبائل الجزائرية يملك المغتربون أحسن وأكبر وأجمل البنايات السكنية. حتى أن الناس هناك يدركون بأن هذه أو تلك من المساكن الفخمة ملك لمغترب دون البحث عن الاسم أو عن الوظيفة فقد تمكن المغتربون عموما من البروز بمظهر الأغنياء مع أن أغلبهم من أصول فقيرة جدا ويعبرون عن هذه «النقلة الطبقية» بتصرفات تجلب الأنظار منها مثلا الإسراف في الإنفاق، وامتلاك «الماركات» من السيارات الفرنسية والألمانية وغير ذلك.
وقد أوصلهم إلى ذلك عاملان أساسيان أولهما الاجتهاد والكد في ديار الغربة والتقشف لتوفير ما يمكن أن يعيدهم إلى بلدهم ليعيشوا بارتياح إيمانا منهم أن الغربة حل مؤقت للعيش والثابت هو الانتماء للبلد والعودة إليه مهما طال الزمن. أما العامل الثاني فهو اعتماد المغتربين على تبديل أموالهم من العملة الصعبة إلى الدينار الجزائري في السوق المالي الموازي (غير الشرعية) التي تمنحهم زيادة تصل إلى 50 في المئة عن سعر العملة المعمول به في البنوك الرسمية.
وبسبب مال المغتربين تنتشر في الجزائر اليوم ما يزيد على 30 نقطة تداول للعملة بشكل غير قانوني تدر أرباحا طائلة على فئة تنعت عادة ب«الطفيلية» و«الضارة» لكنها تمارس «حرفتها» في الساحات العمومية أمام مرأى مصالح الأمن المختلفة.
* فئات المغتربين
يتوزع المغتربون الجزائريون المقيمون في أوروبا إلى فئات عدة يغلب عليها العمال الأجراء في قطاعات الصناعة والخدمات والبناء بالإضافة إلى أصحاب المهن الحرة من أطباء ومهندسين معماريين وأساتذة الجامعات والمعاهد والمدارس ورجال الأعمال ومديرين في مؤسسات حكومية أو خاصة.
ولقد كانت الهجرة إلى فرنسا عند بدايتها في عام 1898 بغرض الحصول على العمل، بعدما تحولت نسبة عالية من الجزائريين إلى البطالة بفعل استيلاء المستوطنين على أملاكهم من الأراضي، وتحولوا إلى عمال لم تستوعبهم القطاعات الصناعية الناشئة في الجزائر، فاضطروا إلى العمل في فرنسا خاصة في القطاعات المتعبة كالبناء والمناجم والموانئ وسكك الحديد ونظافة المدن وما إليها وزاد عدد المهاجرين مع نهاية الحربين العالميتين لحاجة فرنسا إلى يد عاملة تساعد على تسريع إقامة المشاريع وتدارك ما هدمته الحرب.
وبعد استقلال الجزائر عام 1962 تواصلت الهجرة بسبب ضعف الاقتصاد الجزائري وعجزه على توفير مناصب الشغل والمعيشة للسكان. بيد أن خارطة المهاجرين تغيرت كثيرا ولم يعد سبب الهجرة هو البحث عن «الخبز الأسود» المبلل بعرق الموانئ والمناجم، للحصول على الثروة والامتيازات لمواصلة البحث العلمي وبناء المؤسسات الناجحة، حيث الاقتصاد مبني على قواعد صحيحة وما إلى ذلك.
ونادراً ما يهاجر جزائري إلى فرنسا أو بلجيكا أو بريطانيا اليوم دون أن يكون متمكنا من حرفة يحتاجها ذلك البلد ومن بين المغتربين اليوم عشرات الآلاف من حملة الشهادات العليا في أدق العلوم.
وتبعاً لهذا التحول توسّعت دائرة الهجرة لتشمل بلدانا كثيرة أخرى منها شرق آسيا وأميركا وشمال أوروبا و أستراليا والخليج العربي. ومن جميع هذه الجهات صار اليوم مئات الآلاف يدخلون الجزائر، وهم يحملون قيما جديدة مختلفة ومتنوعة، وتجمعهم كلهم تسمية واحدة هي المغتربون.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي