كنت على موعد مع «إمبراطور الشوارب»، «ملك مملكة الشوارب» سابقاً؛ «صاحب أضخم وأطول وأجمل وأروع شنب في العالم»، وهذه ليست إلا بعضاً من الألقاب الكثيرة التي تم إطلاقها على المحاسب (بالمعاش) «أحمد فتحي محمود» الشهير بـ«فتحي شنب» تعثرت قليلاً حتى وصلت إلى منزله المتواضع الكائن في منطقة شعبية في حي المطرية.
لكن في كل مرة كنت أسأل أحداً عن العنوان، كانت ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة، ويقول: «آه.. إنت عايز فتحي شنب..». في الطريق، كانت أسئلة كثيرة تطاردني حول شكل وطبيعة هذا الرجل الذي احترف تربية وتهذيب «شنبه»، وحقيقة الأسباب التي جعلته علاوة على ذلك يؤسس «رابطة لأصحاب الشوارب المميزة»!.
هناك؛ في حجرة الاستقبال الضيقة المغطاة جدرانها تقريباً بشهادات تقدير وأوسمة وموضوعات كتبتها عنه صحف مصرية وعربية شتى، تركني «إمبراطور الشوارب» ـ متعمدا فيما أظن ـ أنتظر بعض الوقت!.. وأخيراً، ظهر بشاربه المبروم جيداً إلى أعلى، والذي يكاد في ارتفاعه يتجاوز قمة صلعته. وبجدية تخفي وراءها «خفة دم» واضحة بادرني سائلا: «حضرتك قلت لي من أي جريدة؟!».
بعدها، امتد بنا الكلام، وشيئا فشيئا، أخذت تتكشف حكاية إمبراطور الشوارب، والرابطة التي أسسها لأصحاب الشوارب المميزة..بدأت حكاية «فتحي شنب» مع «شنبه» في أوائل السبعينات تقريبا (وكان عمره وقتها 32 عاما)، كان السبب في ذلك - كما يقول: «عم والده الذي اتخذه آنذاك مثلا أعلى؛ والذي كان له «شارب مميز» وشخصية متميزة و«هيبة»، هذا فضلا عن أن الشارب كما هو معروف في التراث والأمثال القديمة التي توارثناها يكسب الإنسان رهبة وهيبة،ب كما أنه رمز للشهامة والرجولة».
وما يتحدث به «فتحي شنب» عن مكانة «الشنب» في التراث صحيح بالفعل؛ فليس ببعيد جدا ذلك الزمن الذي كانت فيه المكانة الاجتماعية والرجولة تقاس بطول الشوارب واللحى، والذي كانت تعتبر فيه قمة الإهانة لرجل «حلق شاربه»، وهو أمر كان يمكن أن يفضي لموته من الحزن والكمد.. لكن المؤكد أيضا أن تلك المعاني والممارسات المرتبطة «بالشنب» تراجعت الآن كثيرا، ولم يبق منها إلا «أصداء» فلكلورية خافتة، يجري استدعاؤها في الغالب من باب الفكاهة والتسلية..
فهل كان البحث عن الهيبة والرهبة والشهامة والرجولة هو السبب الرئيسي الذي جعل «فتحي شنب» يطلق «شنبه» الآن هكذا، بل ويؤسس ويتزعم رابطة لأصحاب الشوارب المميزة؟ عندما سألت العم «شنب»: «أليس من الممكن أن يكون للإنسان هيبة ورهبة واحترام من دون أن يكون له شنبٍ؟ أجاب بعفوية: «ممكن ولكن لن يكون له الشهرة ذاتها». والشهرة طبعا لها امتيازات..
من هذه الامتيازات كما يقول «شنب»: «أن الناس تعرفني في أي مكان، وفي أي مصيف أو «ملاه» تجد كل الذي معه كاميرا يريد أن يتصور معي، وحين تدخل أي مكان «يتقلب»؛ والناس والإعلام يهتمون بنا أكثر من المسؤولين، ولا أحد يسألك أنت مدعو أم لا..
وفي أي افتتاح لمشروع أو مصنع أو معرض يدعوني أصحابه لأقص الشريط، وهكذا فإن الشارب «يعمل علاقات كويسة» وييسر أشياء كثيرة ويكون بديلا عن الواسطة في كثير من الأحيان؛ حتى أنه ذات مرة مثلا ـ كما يضيف شنب ـ ذهبت لأخرج شخصاً كان محتجزاً بقسم المطرية، فقام الضباط باستدعاء مصور ليتصوروا جميعا معي».
ويمكن أن نعتبر ما سبق من «امتيازات» -وغيرها- «بداية الخيط» الذي سيقودنا لفهم حكاية «فتحي شنب» ورابطته المميزة؛ فمن خلالها مثلا يمكن معرفة السبب الذي يجعله وعلى حد تعبيره يكون «كريماً على شنبه»، ويشتري له «سبراي وجل وكريمات وأعشاباً» حتى لو وصل الأمر إلى 1000 جنيه تكاليف على حد قوله، كما يمكن فهم مواظبته الصارمة على الطقوس اليومية الشاقة للشارب؛
والتي «تبدأ من المساء بحمام ساخن بالصابون، ثم يدلك الشنب بالزيت لمدة ربع ساعة، ثم يغسل بالشامبو، ويدلك بعدها بالبلسم المغذي للشعر، ثم يغسل ويدهن بالزيت لمدة ربع ساعة وبعدها يغسل جيدا بالصابون وينام بعدها مباشرة، وفي اليوم التالي وبعد الوضوء قبل صلاة الفجر، يدهن «الشنب» بالزيت ثم يغسل بماء ساخن ويتم فرده بالسشوار الساخن ثم يرش «إسبراي» ويدعم «بالجل» المثبت، ويجفف حتى يأخذ «الفورمة» المراد منحها للشارب، وتتكرر هذه العملية عند كل صباح»!.
ومن أجل تلك «الامتيازات» أيضا، قام فتحي شنب منذ نحو 15 عاما بتأسيس «الرابطة المصرية للشوارب المميزة»، التي تضم الآن 147 عضوا؛ عبارة عن خليط ـ منتشر في محافظات مختلفة ـ مكون في الغالب من تنويعات من المهمشين؛ من حرفيين، وموظفين صغار، وآخرين على المعاش، وعاطلين، وممثلين كومبارس..إلخ؛
وجدوا في الرابطة جميعا وسيلة أكثر فاعلية للتحقق ومقاومة التهميش وتبادل الخدمات والمنافع والاسترزاق، وهم من فترة إلى أخرى ينظمون عروضاً ومسابقات، يستعرضون فيها شواربهم، تدعوهم إليها برامج تلفزيونية وجهات أخرى مختلفة، أو يفرضون هم أنفسهم على عدد من التجمعات والاحتفالات التي ترحب بهم وتشجعهم في «زمن غريب وصعب» أصبحت فيه «الشوارب المميزة» فرصتهم الذهبية الوحيدة للتحايل على «بلاوي» الحياة والزمن!..
القاهرة ـ خالد عبدالرسول