عرفت دبي دائماً أهمية الجوانب الخاصة في حياة حوائها، ففتحت مرافقها العامة لتحتضن من ترغب منهن بشيء من الخصوصية المفتوحة. الزمان هو يوم السبت، أما المكان، فهو شاطئ الجميرا، الذي خصص يوماً من كل أسبوع، «للعائلات والأطفال فقط». لكن العائلات هنا لا تشمل الرجال، انها نساء وفتيات وأولاد صغار من الجنسين، حيث سن الذكور منهم لا يحول دون اختلاطهم بالمجتمع الخاص للنساء.

ورغم أن هذا الموعد ليس جديداً، إلا أن الكثير من «غير المدعوين» لايزالون يجهلونه. بدليل ذلك الشاب الذي جلس ليرتاح من تعب المشوار، الذي توجت نهايته بمنعه من الدخول «لأن اليوم للسيدات والأطفال فقط». لا بأس، يرتاح الشاب على المقعد الخشبي، ومن خلفه يظهر رتل سيارات الأجرة المرابط، على مقربة من المنطقة بانتظار من لا يملكن سيارات خاصة.

تطل فتاة من شباك الحجز، على غير عادة، فكل العاملات اليوم من النساء، ولو على المداخل البعيدة. تجتاز الزائرة، البوابة الحديدية الرفيعة، مع حقيبة جمعت فيها كل ما اعتقدته مهماً ليوم من الحرية. على يمين المدخل مرحاض للسيدات، حوّلنه إلى غرفة لتغيير الملابس. تدخل الفتاة الغرفة الصغيرة بكامل ملابسها المحتشمة لتخرج منها «عروس بحر».

بعد المطعم المبني على شكل كوخ خشبي صغير، والذي تداوم فيه يوم السبت عاملاته فقط، تصل الزائرة إلى البحر مقصدها الأول، وهو «المذكر» الوحيد المسموح بوجوده في المكان. اختصرت مساحة الشاطئ هذا اليوم، فأضيفت الحواجز «العسكرية» اللون، لإخفاء من تحتضنهن جنبات السواتر السميكة. تستطلع نظرة خاطفة المكان، لتقرر في أي من الزوايا ستنفرد، وهي زاوية عادة ما تختارها عامودية أشعة الشمس.

ربما يعتقد الكثيرون أن يوم النساء البحري ستغلب عليه النكهة العربية والشرقية. وهذا، رغم صحته، لا يمحو الملامح الأجنبية التي تحمل بعض زائراته أيضاً. فالمسألة هنا لا تتوقف على درجة الالتزام الديني من عدمه، بل هي، أولاً، رغبة في الخصوصية، ولو ليوم واحد، بعيداً عن عالم الاختلاط. ولأن لا رجال هنا، يبدو الهواء أخف، والنساء أكثر شفافية.

وأقل حذراً من تبادل النظرات مع الغريب المقابل والبعيد. هنا الجميع سواسية، فتنصرف كل فتاة إلى أمورها الأولية، إلى اللون المطلوب، ودرجة السمرة المبتغاة، أو قد تنصرف إلى مداعبة رمال الشاطئ المحترقة، مطمئنة إلى أن العيون لا تتوجه نحوها. ربما هذه من المرات النادرة التي تتخلى فيها الأنثى عن ميلها الطبيعي لجذب الأنظار.

لذلك أتت إلى هنا، في هذا النهار تحديداً، لتذوب في الحشد القليل المتناثر،وتتشرب أشعة الشمس اللاهبة. تظهر، من برج المراقبة، ثلاث منقذات، ارتدين قمصان «تي شيرت» حمراء اللون، وسراويل صفراء قصيرة. يظهر الـ «تي شيرت» كواحد من مخلفات «العصر الذكوري»، خاصة مع كلمة «منقذ» التي ارتضت الفتيات ارتداءها، رغم تجاهلها لأنوثتهن.

تظهر لاحقاً سيارة الشرطة، لتتوقع، بحسب نظرية المتآمرة، الخرق الأكبر لحرمة المكان. لكن المنظمين كانوا حريصين، فأوكلوا سيارتهم اليوم لشرطية ومحجبة، لتجول على الشاطئ المسالم، من حين الى آخر.لا تختلف تصرفات السيدات هنا، عما يفعلنه في أي شاطئ مختلط. حتى لباس السباحة كان محتشماً، ربما بدرجة أكثر مما نراه على الشواطئ المفتوحة.

كان كأي يوم آخر، لكن من دون ذكور. فحمام الشمس يطول للمدة ذاتها، ومدة السباحة لا تختلف، وإن كانت معظم المرتادات لا يتقنّ السباحة. بعد مرور زمن قصير، ربما يراود المرتادة شعور بالاكتفاء من هذه التجربة. فرغم أنها توفر لها الكثير من الحرية، إلا أن أحداً لا يمكنه التغاضي عن أن الحياة مؤنثة، لكن العالم مذكر، ولا طعم لأحدهما دون شراكة الرجل والمرأة في مسيرة الأيام.

لميس حطيط