يرسل الأهل أحياناً أبناءهم إلى المدرسة ليتخلصوا من شقاوتهم في المنزل، ومنهم من يفعل حباً بالعلم، والبعض ليفخر بأبنائه، ولكل منا سبب ومسبب أرسله إلى المدرسة.عندما ننتقل من المدرسة إلى الجامعة، لا نحمل معنا إلا ذكريات المشاغبة التي تكون قد حفلت بها مقاعد المدرسة، والتي تكون كالبصمة لكل تلميذ، ولا ننسى أن هناك من التلاميذ من لا يشاغب، بل يجلس «شاطراً»، ويتخذ من المقعد الأول مكاناً له.

كما أن للسخرية أربابها في قاعات الدرس فكل شيء قابل أن يكون مهزلة، فمثلاً التلميذ الذي يعاني عيباً في النظر، أو ذاك السمين، أو الأصهب، أو القصير، أو النحيف، أو ... الخ. ولكننا كنا تلاميذ، وكلنا قصدنا المدرسة.كنا نخشى أيام المدرسة عقاب الأساتذة والمعلمات، كنا نخاف من اجتماع الأهل الشهري أو الأسبوعي، كنا نخاف الأب العائد من ذاك الاجتماع الثرثار، الذي يقصد منه الثرثرة المسيئة للطفل.

كان معظمنا في المدرسة مشاغباً، متميزاً، وناجحاً في آن، وكان جل ما نريده، هو الانتهاء من هذه المرحلة لننتهي من فصل من فصول حياتنا.اليوم، وبعد أن تقدم العمر بنا، وأصبحنا من أصحاب المهن، التي لم تعلمنا إياها المدرسة، نعود من جديد إلى قاعات هذه الأخيرة قسراً وبإرادتنا!!

خصصت «البيان» دروساً في الحاسوب للمحررين العاملين فيها، وتقضي بأن يتعلم كل واحد منهم كيفية التعامل مع هذه الصناديق التي تقرأ لغة الأرقام، إيماناً منها بضرورة تطوير مهارات الصحافي في الميادين كلها، والتعامل مع الحاسوب كجزء لا يتجزأ من العمل الميداني، وهنا وقعت «الواقعة».

أساتذة في الصحافة إضافة إلى محررين ورؤساء أقسام ومديري تحرير يجتمعون أمام طاولة واحدة، ولهدف واحد، والكل رجع إلى مقاعد المدرسة، وعادت إليه ذكريات الطفولة.تخلل الصفحة الأولى من درس الكمبيوتر، جلسة تعارف بين الأستاذ والتلاميذ، وطبعاً حاول كل واحد منهم فرض سيطرة ما على رقعته، إذ لم يتوانوا عن إطلاق النكات ومحاولات المشاغبة الذكية واللطيفة في آن.

وبدأت مفردات الـ «Hard disc» و«السوفت وير»، وأنظمة التشغيل والشاشة، والحاسوب وما إلى ذلك من غيغابايت و«RAM»، وبدأت اللغة تتعقد. إلا أنه كان بادياً على وجه كل واحد من التلاميذ الكبار، أن هنالك شيطاناً صغيراً كامناً في الداخل، يحاول الخروج ولكن السيطرة عليه أكبر، وتمنعه من ذلك.

يقول الزميل مغازي البدراوي، وهو دكتور في القانون الدولي، وباحث في وحدة الدراسات في «البيان»، انه كان من المشاغبين الكبار أيام المدرسة، وقد طرد من قاعاتها أكثر من مرة، و«مرة أخفيت الأمر عن الأسرة، خوفاً منهم، وذهبت إلى المدرسة، وكأن شيئاً لم يكن فطردوني ثانية، ولا يمكن أن أعود إلا بصحبة ولي أمر».

الزميل البدراوي وقبل التحاقه بصفوف «البيان»، عمل محاضراً في الجامعة، و«هناك اقتص الطلاب مني الشغب كله»، والده أيام المدرسة كان يؤنبه، «كان يضربني أحياناً»، أما الأساتذة فكانوا يخافونه ويخافون زملاءه، إذ حاول أستاذ مرة أن يعاقبهم بالضرب، فحاولوا بدورهم رميه من النافذة، فجاءت الشرطة، وتبين للبدراوي، أن الضابط المسؤول كان خاله، فترأف به ولكن أخبر الأسرة.

يخجل اليوم مغازي البدراوي من مشهد واحد، عندما يقف أمام ابنته التي تجيد الإبحار في عالم الحواسيب، التي يعتبرها غريبة عليه، ويرى اليوم أنه من واجبه أن ينصت للأستاذ، الذي يعلمه والزملاء في «البيان» كيفية التعامل مع الحاسوب رغم توقه الشديد إلى «المشاغبة».أما الزميل حسين قطايا فقد طرد أربع مرات من المدرسة، ويعيد الأسباب لتمرده على المعلمين، واختبائه الدائم منهم عبر الجلوس في المقاعد الأخيرة من قاعة الدرس.

يقول حسين: «كان عدد التلاميذ في صفي لا يتجاوز الثلاثين، ومرة جاءت نتيجة الفصل الأول من العام الدراسي، فشغلت المركز الثامن والعشرين، كنت فرحاً، لم أفهم ما المعنى من ذاك المركز، فهرعت إلى البيت أبشر والدتي، التي كانت تعد مؤونة الشتاء، فما كان منها إلا ضربي بمرطبان الزبيب».

يعتبر حسين نفسه مشاغباً، لكنه يبدو في دروس الكمبيوتر مثابراً، فهو ـ كما يقول ـ ابتاع لنفسه واحداً محمولاً، ويتباهى بسعته وسرعته والبرامج التي تشغله، إلا أنه يبقى على استعداد لتعلم المزيد، رغم أنه يحاول التهرب من الدرس مبرراً ذلك بانشغاله بمواضيع يتابعها للصحيفة.

ويعبر أحد الزملاء عن سعادته في العودة إلى مقاعد المدرسة، التي كان يحبها كثيراً. ويقول انه لم يتعرض للضرب في المنزل نتيجة المشاغبة في المدرسة، والتي كان يعشقها، وأنه اليوم يشعر بمشكلة مع الأستاذ الذي يعلمنا كيفية التعامل مع الحاسوب، وتتلخص بمسألة العمر، إذ أن الأستاذ أصغر منه بكثير.

أما أيمن صمودي الأستاذ الذي يعلم حوالي ستين محرراً في «البيان»، كيفية الاستفادة الكلية من الحاسوب، فهو (سوري الجنسية)، وقبل أيام قص شعره قصيراً جداً، فكان معرض تعليق من الزملاء، فأجابهم بنكتة، بأنه عوقب من قبل زميله الحلاق، لأنه لم يزره منذ فترة طويلة.

يفهم أيمن صمودي جيداً لغة الحاسوب، ويكرر دائماً مفردات «طيب»، أو «عظيم»و «يا ترى»، ودائماً تكون شروحاته عبارة عن أسئلة.أجرى الأستاذ أيمن للتلاميذ قبل مدة، امتحاناً بسيطاً، خمسة أسئلة متعلقة بما تعلمناه حتى اليوم، وكانت الأجواء شبيهة بتلك في المدرسة، إلا أنه وزع على الممتحنين الأسئلة وغادر القاعة، ودار الغش إذ استفاد كل واحد من أرشيفه الذي دونه خلال المحاضرات.

كبار لا يشاغبون، رغم توقهم إلى الشغب، يخجلون اليوم أمام أبنائهم، الذين يعرفون في علم الحاسوب أكثر منهم.اليوم وبعد أن عاد أساتذة في الصحافة تلاميذ في مدرسة «البيان»، التي تخصص الأشياء كلها لخدمتهم المعرفية، يتضح أن في قلب كل واحد منهم طفلاً صغيراً تواقاً إلى حرية الإبداع والفكر، والإلمام بعالم الحواسيب، رغم بغضهم الشديد للتقيد بساعات الدرس والمدرسة.

إبراهيم مشورب