في أحد الأيام سألني ابني الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة كيف يمكن أن تصبح جدته التي تجاوزت الستين غير قادرة على تحديد الصواب والخطأ، بينما أنا والده أشرح له يومياً ماهو الصواب، وكيف يتجنب الخطأ؟وخلال لحظة صمت استعدت حياة حماتي التي تمثل نموذجاً للمواطن الروسي، لقد أنهت دراستها في كلية الصيدلة خلال العهد السوفييتي.
والتحقت للعمل بمختبر مركز الأبحاث الطبية للأمراض النفسية في احدى المدن السيبيرية، وبعد سنوات عدة تزوجت من زميلها، وحصلت على الشقة التي شهدت مولد زوجتي. وكانت الأسرة الصغيرة تعيش حياتها وفق القيم السائدة، والتي تدعو لأولوية العمل لأجل المجتمع عن مصالح الأسرة، وتمجد العلماء والمنتجين، لذا حرصت حماتي على مواصلة دراستها العليا.
ومع ظهور الرئيس بوريس يلتسين، رأت فيه أسرة زوجتي أمل المبدعين والمثقفين، الذي سيحقق لهم الديمقراطية ومبدأ مكافأة كل فرد حسب عمله، وشاركت حماتي في حملة يلتسين الانتخابية ليس فقط لأن شعارته تعبر عن أحلامها، وانما أيضاً لأنها ستحصل على عطلة مدفوعة الأجر مقابل مشاركتها في الإنتخابات.
وعندما حلت بأسرة زوجتي كارثة شلل الأب بسبب جلطة دماغية حاولت حماتي أن تحصل على مساعدة من ادارة المركز، لتكتشف أن الحكومة قد قلصت ميزانيات مراكز الأبحاث وفى طريقها لفصل مئات العلماء والباحثين، ونصحها المدير بطلب المساعدة من المرضى الذين عالجتهم من الروس الجدد الذين يعملون في التجارة لأنهم قادرون على تقديمها.
واكتشفت جدة ابني أن رجال العهد الجديد قد تراجعوا عن وعودهم وخدعوها وأصبح هدفهم ارضاء تجار البازارت وسماسرة السلاح والنفط. وتحملت الخديعة، وقررت أن الغد المشرق لابد وأن يأتي، وعاد إليها الأمل مع تولى بوتين الرئاسة، وأكدت لى أن أحوال البلاد ستتغير للأفضل.
وفي بداية العام الحالي اتصلت حماتي بزوجتي وكانت تبكي، وتقول هل عرفتم ما حدث؟ لقد قرروا الغاء الضمانات الاجتماعية والعلاج المجاني والمواصلات المجانية وزادت رسوم خدمات المسكن..الخ، كيف سأوفر العلاج لزوجي؟ كيف سأعيش؟ وسارعت زوجتي لتهدئة والدتها، وشرحت لها أننا إلى جانبها وسنقدم كل المساعدات المطلوبة، إلا أن الجدة لم تناقش مشكلتها الخاصة .
وقالت.. أنا أعلم ان أسرتي لن تتركني أشعر بأي أزمة، ولكنني أشعر بالألم لأنني وزوجي وملايين المتقاعدين مثلنا قدمنا سنوات حياتنا لخدمة الوطن.. عملنا بجد واخلاص، ولم نسرق أو نرتشي، وعندما بلغنا سن الكهولة الذى نحتاج فيه مساعدة الوطن، قررت الحكومة التخلي عنا وسلب حقوقنا مقابل بضعة كوبيكات.
هل نحن جيل من الأغبياء أم اننا نتعرض للخديعة مرة أخرى، لقد خرجت خالتك في مظاهرات المتقاعدين ضد «الكرملين» تطالب باقالة حكومة فرادكوف، على كرسيها المتحرك... وخرجت من أفكارى على صوت ابني يقول.. بابا لم تجب على سؤالي، فقلت له.. سؤالك صعب يا ولد.
موسكو ـ مازن عباس