انكسار المساحات الشاسعة، واختصار زغاريد الفرح المنطلقة من أعماق القلب ارتبطا مع سيطرة صناعة الألمنيوم ومعدن «الستانليس ستيل» وانزواء الصناع المهرة الذين كانوا يمزجون ذات يوم أوعية المناسف وقدور الطهي الكبيرة المصنوعة من النحاس بالفرح الآتي. حدث ذلك عندما كانت الأعراس تحتضنها أرض واسعة مفتوحة وأمنيات بالحياة السعيدة من قلوب الكثيرين الذين كانوا يحضرون للمشاركة وليس لمجرد (رفع العتب) أو المجاملة !

بصوت يعتصره الألم، قال أبو عبدو المالح أحد كبار صناع النحاس في دمشق: «يبدو أن عملنا في صناعة النحاس، والذي مضت عليه أعوام طويلة يواجه خطر الاندثار والتحول إلى ذكرى جميلة». ويضيف: أفكر جدياً ببيع المحل والمصنع، وافتتاح مصلحة جديدة تتوافق مع طبيعة دراسة ولدي الأكبر، الذي تخرج حديثاً من كلية الاقتصاد.

زمان مختلف

ويؤكد سليم الطباع صاحب المحل الأقدم في منطقة «المناخلية» المتفرعة من «سوق الحميدية» أن الطلب على المنتجات النحاسية تراجع كثيراً لسببيين أولهما المنافسة الحادة للمنتجات من معدني «الألمنيوم» و«الستانليس ستيل» اللذين يغرقان الأسواق جراء سهولة صناعتهما والتقنيات الحديثة المستخدمة فيها بينما تحتاج صناعة الأوعية النحاسية إلى وقت أطول وجهد أكبر كونها يدوية.

ويضيف بأن «السبب الآخر في تراجع الإقبال على شراء المنتجات النحاسية، وبخاصة أدوات الطهي يعود إلى تعقيدات الحياة الاجتماعية، وتوجه الناس نحو إنجاز شؤونهم بسرعة، وبالتالي لم تعد إقامة الأفراح كما كانت في السابق، إذ أصبح معظم الناس يفضلون إقامتها في الصالات، كما لم يعد الطهي قاسماً مشتركاً في جميع الأعراس أو حتى بيوت العزاء». وأشار الطباع إلى «أن هذا الأمر جعل الإقبال على أدوات الطهي النحاسية في أضيق نطاق.

وحول مصنعه يقول سليم الطباع انه افتتح منذ 125 عاماً بواسطة جده ثم ورثه والده حتى وصل إليه، موضحاً بأنه الابن الوحيد الذي عمل في هذه المهنة من بين جميع أشقائه»، ويشير إلى أن المصنع بالإضافة إلى أدوات الطهي النحاسية يقوم بتصنيع أهلة المساجد والسخانات والمغاسل النحاسية.

موضحاً بأنه صنع أهلة مآذن الجامع الأموي في دمشق عام 1998، كما قام خلال العام الماضي بصناعة أهلة مآذن مسجدي الحريري في بيروت وصيدا.ويؤكد الطباع بأن الطلب حالياً في مجمله مركز على المغاسل النحاسية، بالإضافة إلى بعض الطلبيات الخاصة المتنوعة.

بدائل عملية

ويقول على زردة وهو صاحب مصنع لصناعة النحاس في منطقة المناخلية ان دخول معدن «الستانليس ستيل» إلى الميدان أسهم في ضرب صناعة النحاسيات بنسبة 50%، وخاصة لجهة الطلب على أدوات الطهي النحاسية، مشيراً إلى أن الإقبال على المنتجات النحاسية رغم ضعفه، إلا أنه لا يزال موجوداً وإن كان خطر انقراض هذه المهنة يلوح في الأفق بسبب ارتفاع أسعار النحاس ومنافسة البدائل مثل «الألمنيوم» و«الستانليس ستيل» والتي يعتبرها البعض بدائل عملية، خاصة وأنها لا تحتاج إلى تبييض بين الفترة والأخرى.

الهاجس الأكبر

ويقول زياد عبد اللطيف المالح «أبو عبدو» انه يعمل في هذه المهنة منذ 50 عاماً، حيث تطورت طبيعة العمل من سكب النحاس إلى النقش عليه، وأوضح بأنه تقاعد مؤخراً عن العمل بيديه في عملية النقش. وحول هموم المهنة يؤكد بأن الهاجس الأكبر الذي يواجه جميع العاملين فيها يتعلق بتراجع الإقبال على شراء المنتجات النحاسية بسبب البدائل الجديدة والتغيرات الاجتماعية المرتبطة بالمناسبات حيث فقدت أدوات الطهي النحاسية أهميتها.

مضيفاً بأن ارتفاع أسعار معدن النحاس على المستوى العالمي دفع بالصنّاع إلى رفع أسعار منتجاتهم والتي على ما يبدو باتت تتجاوز القدرة الشرائية للزبون حتى وإن كان سائحاً.ويفكر جدياً في ترك مصلحته، والبحث عن بديل آخر ربما يكون مفيداً أكثر وسيكون في مجال تخصص ولده الأكبر الذي أنهى حديثاً دراسة الاقتصاد.

غياب الأجنبي

وعلى امتداد «سوق الحميدية» كانت آراء تبدو في ظاهرها مختلفة عما كانت عليه لدى صناع النحاسيات في منطقة المناخلية.. حيث يقول عثمان عبد الرزاق صاحب محل للنحاسيات بأن هناك طلباً هائلاً على المنتجات النحاسية، مؤكداً بأن هناك تغيرات طالت سوق النحاسيات، ولكنها بالتأكيد لا ترتبط بحجم الطلب بل بنوعية الزبون وطبيعة الطلب.

ويشير إلى أن الزبون الأجنبي الذي كان حاضراً وبقوة ذات يوم في سوق الطلب على النحاسيات اختفى تقريباً وحل مكانه الزبون العربي وحول طبيعة الطلب، قال عثمان أنه يتركز على الفوانيس النحاسية التي تشهد إقبالاً كبيراً بغرض الزينة، بيما تراجع الطلب على أدوات الطهي النحاسية، الذي كان يأتي من الأردن ودول الخليج بشكل أساسي.

أعراس «الساندويتش»

واعتبر المهندس فايز عصاصة صاحب محل أن الإقبال على شراء النحاسيات مرتبط أساساً بالحركة السياحية والتي لا يمكن وصفها حالياً بأنها في أفضل حالاتها، مضيفاً بأنه لا يختلف مطلقاً مع الرأي القائل بتراجع الإقبال على المنتجات النحاسية موضحاً بأن التراجع يتعلق فقط بأدوات الطهي، فيما يتصاعد الطلب على أدوات الزينة النحاسية، موضحاً بأن التغيرات الاجتماعية المرتبطة بالعادات والتقاليد لعبت دوراً كبيراً في ذلك، حيث كان الناس سابقاً يقيمون أعراسهم في مساحات مفتوحة وتستمر لعدة أيام ويكون القاسم المشترك بينها جميعاً عمليات الطهي ولا تختلف المآتم في شيء عن ذلك..

وبينما يقام الفرح حالياً وفقاً لنظام «الساندويتش» في إحدى الصالات حيث يلتهم المدعوون الحلوى أو الآيس كريم بسرعة وينتهي كل شيء، ومن الطبيعي حسب هذه المعطيات أن يتراجع الطلب على أدوات الطهي النحاسية، بينما يتسابق من أحجموا عن شراء هذه الأدوات على اقتناء النحاسيات لتجميل منازلهم، بما تحمله من قيمة جمالية حقيقية.

دمشق ـ خالد اللوباني