يبدو أن نمط حياة جديداً يطرق أبواب العديد من المدن العربية حاملاً معه سلاسل من المتناقضات التي تفجر الضحك حيناً وتحرك أوجاع القلب أحياناً، والعاصمة الأردنية عمان ليست استثناء من هذه القاعدة، حيث يشير تعامل سكان هذه المدن مع الكلاب المدللة إلى نهر متدفق من الاختلافات والتضارب في وجهات النظر، يدفع المرء إلى القول:« لله في خلقه شؤون».

ما عليك إلا أن تخطف رجلك إلى عيادة بيطرية لتلتقي «دودي» حتى تجد نفسك أمام مثال مدهش لهذا الاختلاف.ولمن لا يعرف فإن «دودي» هي تلك الكلبة التي لا يتجاوز عمرها العامين، البيضاء والناعمة أو هكذا بدت لي وأنا أرقبها من بعيد، ولم تكن الثلاث ساعات التي أمضاها الطبيب البيطري في حلاقة شعر «دودي» طويلة بالنسبة لي، بل على العكس تماماً، فالتجربة التي وضعت بها جديدة للغاية، وبصراحة لم أكن أعرف عن دنياها أي شيء.

بكثير من السعادة نظرت الفتاة الصغيرة إلى أبيها وهو يمد يديه إلى محفظته ويعطي سكرتيرة الطبيب الـ 45 ديناراً ـ 60 دولاراً ـ أجرة حلاقة «دودي».قلت لوالد الفتاة: لو تسمح لي أستاذ.. لماذا هذا المبلغ الذي دفعته؟ فأجاب انه سعر حلاقة «دودي»، يا أخي أصبحت الأسعار نار! أعدت السؤال مرة أخرى فلم افهم من إجابته شيئاً، وقلت له مجدداً حتى لا أدع لسوء الفهم بيننا نصيباً: من أجل حلاقة شعرها دفعت هذا المبلغ؟ فهز رأسه بالإيجاب.

هل يعني ذلك أن ارتفاع أسعار المحروقات زادت هي الأخرى من فاتورة الطبيب سألته بسذاجة فقال مازحاً: لا أبداً فقد طلبت من الدكتور أن يحلق لـ «دودي» دون بنزين.في عمان أسعار صالونات الحلاقة للرجال تتراوح بين الأحياء والمناطق الفخمة الراقية، والمناطق والأحياء الشعبية، فـ «أَزْعَمْ راس» في الأحياء الفقيرة لن يتعدى سعر حلاقته الدينارين «ثلاثة دولارات تقريباً»، وربما يزيد قروشاً قليلة في الأعياد والمناسبات الشعبية، كحفلات الزفاف والخطوبة وحفلات التخرج وهكذا. أما الأحياء الراقية فلن تزيد الأسعار عن الخمسة دنانير بأي حال من الأحوال.

على سبيل التحدي سألني صديق أخيراً: هل تود أن ترى ما هي آراء بعض الشرائح الاجتماعية في عمان في ارتفاع الأسعار؟ تعال معي غداً إلى «عبدون» حيث أعمل في مكتب تجاوره عيادة طبيب بيطري؟.وحي «عبدون» في عمان من أكثر المناطق ترفاً إلى حد يتحدث عنه سكان عمان الشرقية وكأنه في بلد آخر، ومن يعرف عمان جيداً يعرف أيضاً أنه حتى مناخ «عبدون» هو الآخر مختلف عن مناخ عمان الشرقية.

ذهبت إلى هناك حسب الموعد وسألت السكرتيرة عن طبيب العيادة فقالت لي انه يجري عملية «حلاقة شعر لكلبة»، عندما انتبهت «منى» السكرتيرة التي تسكن «جبل النظيف» ـ وهو أحد جبال عمان الشرقية الفقيرة جداً ـ إلى نظرتي الساخرة للمكان ابتسمت، وهي تقول: «ابق فترة من الزمن وسترى العجب».

تفضل اجلس، قالتها «منى»، فجلست وبدأت استرق السمع إلى «الزبائن» هذه قطة أرادت صاحبتها أن تجري لها عملية استئصال الرحم، حتى لا تغافلها يوماً ما وتعود لها بحَمْلٍ مفاجئ، وتلك قطة أخرى تريد صاحبتها أن تجري لها عملية تقليم أظافر أو هكذا فهمت شخصياً من حديثها مع سيدة استئصال رحم القطة.. وكلب آخر قيل والعهدة على صاحبه أن نوعه يعرف باسم «التيرير»، وهو كلب فرنسي صغير تعرض لصعقة كهربائية ويخضع بعدها لعلاج مكثف. ولكن الأدهى من كل ذلك هو الكلب الذي تعرض لهبوط في القلب فهرعت صاحبته لإنقاذه.

يقول «مدير جمعية حماية الحيوانات والرفق بها» الدكتور غازي مصطفى إن البحوث العلمية أثبتت أن دور الحيوانات كبير في كبح السلوك العدواني في حياة الأطفال، مشيراً إلى أن الأطفال الذين يعانون من عدوانية يمكن أن تدخل لحياتهم الحيوانات كنوع من المعالجة النفسية.ويعترف الدكتور مصطفى أن لتربية الحيوان جوانب سلبية كما لها جوانب إيجابية. ويقول: هناك بعض الأطباء البيطريين يمارسون مهنتهم كنوع من أنواع التجارة.

ورغم نفي الدكتور مصطفى أن تكون الجمعية موجهة نحو الأغنياء فهي «تعالج كلاب الصيد أيضاً» إلا أن من الواضح أنها مهتمة بالأغنياء، ذلك أن الفقراء لا يجدون متسعاً للحديث عن هذا الموضوع، خصوصاً وأنهم ليسوا من أصحاب أو مالكي الحيوانات المدللة.أحد أصدقائي، تعرض لضغوط مكثفة من أطفاله لاقتناء حيوان مدلل وبين خيار «الولد» بالطلب من الأب اقتناء كلب، وبكاء الطفلة بضرورة الحصول على قطة بيضاء، ورفض الأب، استمر الأمر شهرين أشفق الخال خلالها على أولاد أخته وأتى لهم بما لا يمكن توقعه للوالد الفلاح.

فقد أهدى الخال الأطفال فأراً، ولم تُجْدِ الاعتراضات للوالد كافة بأنه لن يوافق على بقاء الفأر في بيته حتى لو كان من نوع الـ «هامستر».وتاهت العائلة نهاراً كاملاً بالمصطلحات وأصر الأب على «أن الفأر يبقى فأراً حتى لو غسل كل يوم» ولم ينقذه إلا عض «الهامستر» هذا لابنته الصغيرة فاقتنع الجميع بأنه مجرد فأر. وهو يقول: لقد اضطرت البنت بعد الحادثة للحصول على أربع إبر على سبيل التطعيم.. فيما خسرت الدولة الأردنية أربعين ديناراً ثمناً للمطعوم .. فما ذنب الفقراء؟.

عمان ـ لقمان اسكندر