راحت سلمى تتمايل بوشاح برتقالي على وقع الموسيقى الصاخبة، تتطاير خصال شعرها الأشقر مع النسيم، ما هي إلا لحظات حتى تقدم منها شاب عشريني ، فتبتسم له ثم يرقصان بانسجام كلّي، علما أنهما لم يتعارفا بعد. هذا المشهد ليس في ناد ليلي، بل على أحد الشواطئ اللبنانية الذي أصبح كغيره من الشواطئ المنتشرة على طول الساحل برملها الدافئ وشمسها الحارة.
وقد باتت هذه الأمكنة مقصداً للشبان والفتيات للترفيه والسباحة في نهاية كل أسبوع، مقابل سعر لا يتجاوز الدولارات العشرة، هي بدل تذكرة الدخول. وتزدحم الطريق البحرية الممتدة من شاطئ نهر الكلب (شمال بيروت) إلى شواطئ جبيل (شمال) في نهاية كل أسبوع بسلسلة من السيارات الممتلئة بالشبان والفتيات الآتين من مختلف المناطق، وتدل هذه السيارات على أن أصحابها هم من الميسورين.
ولا تبدو الصورة داخل المنتجعات السياحية مختلفة عما يجري في النوادي الليلية، إنما هنا الشباب «أكثر حرية»، فالجميع يرتدون اللباس البحري الذي لا يخلو لدى الكثيرات من «الزوائد»، لإضفاء المزيد من الإثارة، في ظل خيم القش الشبيهة بتلك المتوفرة على شواطئ جزر «الكاريبي». ويبدأ الشبان والشابات بالتوافد إلى «ملهاهم الشاطئي» قبل الظهر، حيث تكون الموسيقى هادئة ومعظم هؤلاء لا يبغي ممارسة رياضة السباحة أو الجلوس تحت أشعة الشمس، لاكتساب بعض السمرة.
وإنما للتعرف إلى أتراب جدد قد يتحولون في المستقبل القريب رفاقاً في السمر. ويبحث الشباب في هذا المكان عن متنفس لهم يكسرون من خلاله روتين حياتهم اليومية. فيجدون على هذه الشواطئ ضالتهم، خصوصاً أنها تعتمد بشكل رئيسي على حضور الشباب، لأن الكبار في السن باتوا يقصدون أماكنهم الخاصة. ومع حلول الظهيرة وارتفاع درجات الحرارة، يرتفع صوت الموسيقى، وتتغير أنواع الأغنيات لتحل الأكثر حماسة، وينشط الساقي ومساعدوه، لتلبية طلبات الزبائن من المشروبات، ويختلط رنين الثلج في الأكواب مع صوت فقش الموج على رمال الشاطئ الدافئة.
وما هي إلا دقائق، حتى تزداد الحماسة ويتحول المسبح إلى حلبة رقص، فتتمايل الأجساد وتتخذ أشكالاً متعددة، فتمر ساعات الظهر من دون أن يشعر الشباب بحرارة الشمس الملتهبة، وتواكب صيحات الشباب سرعة إيقاع الموسيقى. ففي كل مكان حلقات رقص، أجهزة الخلوي لا تهدأ، ولكن ليس للإجابة على الاتصالات، بل تنشط الحديثة منها لالتقاط صور قد لا تتوفر في أماكن أخرى، لمجموعة من الفتيات وهن يتمايلن بخفة مع الإيقاعات.
ولا يقتصر هذا المشهد على ساعات النهار، بل تعمد هذه الشواطئ إلى تنظيم أمسيات راقصة تمتد حتى ساعات الصباح خلال عطلة الأسبوع، وهي تستقطب بدورها أعداداً كبيرة من المراهقين وعشاق السهر. وفي هذه الأماكن لا تتوفر الرقابة على سن الداخلين، كما هي الحال في بعض الملاهي الليلية.
ولا تكسر برودة رمال الشاطئ في المساء من حرارة الأجواء التي تصبح «جنونية» أكثر مع تقدم ساعات الليل وازدياد حماسة الموسيقى. منذ سنوات كانت هذه الشواطئ تستقطب الشبان والشابات ميسوري الحال، إذ كان الدخول مجاناً، فيمضي الأصدقاء ساعات عدة بأقل كلفة مادية. أما اليوم، فالظروف تبدّلت وكذلك بعض المعتقدات، وأصبحت الأمور تتجه أكثر فأكثر إلى التحرر مع هبات الموضة والصرعات الوافدة من كل حدب وصوب.
بيروت ـ غبريال مراد