هي بقعة مختلفة في كثير من الأشياء، ليست كما الأسواق الحديثة، أو الحدائق، أو المقاهي «آخر طراز» هي برائحتها، تقرب إلى أذهان الجميع الحياة زمان، مثلما بمنظرها المنفرد تملك الهيبة والسحر. في تلك المنطقة الصغيرة عاش مواطنو الشارقة طويلاً، بكل ما تعنيه لهم من أيام وساعات ولحظات، هي الأقوى في ذاكرة من يؤمها اليوم، إنها سوق «العرصة» في الشارقة، أو الشارقة قديماً كما يروي الجميع.
تجمّل المكان حجرة صغيرة مكللة بكل ألوان الماضي، وتفوح من متنفساتها اليوم ذبذبات أصوات قديمة، مصدرها «شواب» أصروا على تحمل عبء المواظبة على الحضور من مختلف مناطق الشارقة المتباعدة إلى ذلك المقهى، الذي عاشوا فيه لحظات أخرى غير التي يحيونها اليوم، هو مقهى مرتضى عباس.
كما سمي أعقاب الحرب العالمية الثانية، وأصبح يعرف حالياً بمقهى العرصة الشعبي، فهو المكان القديم نفسه والحي في نفوس مرتاديه، رغم أنه وكما يبدو يرفض التكنولوجيا والحداثة ويبقي على كل ما لم نعتد رؤيته.
الصور الكثيرة والمبهجة لذلك المكان قديماً، ربما خطفتها تقنيات العصر الحديث، إلا أن الجميع لا يزال يقدر ويستذكر حيوية ماضيه، فكان الأكثر حضوراً واحتضاناً للجميع حيث عز مكان اللقاء، وحُصر الناس متقاربين في مقهى يقدم لهم صوراً متواضعة من الرفاهية، تتمثل في «استكانة» شاي.
وبعض الأكلات الشعبية المطعمة بنكهة طرب، وانسجام مع عمالقة الطرب آنذاك، أمثال محمد فارس، ومحمد زويد، وعبد اللطيف الكويتي، علاوة على أنه المكان الذي لعب أدواراً كثيرة، فكان السوق والمبيت واستراحة المسافرين والتجار، بل ووكالة الأنباء آنذاك، حيث ينهل الجميع الأخبار والمعلومات من بعض المقاهي المتوافرة في تلك الحقبة.
بائع الماء
يطل مقهى العرصة الشعبي على ساحة صغيرة، انتصبت عليها أربعة أعمدة، ظلت واقفة، أجيال من عشاق ذلك المبنى، عاشوا أياماً وظروفاً بعيدة عما نعيش، وكانت مسرحاً لتجار مارسوا البساطة في حاجياتهم، وقدم بعضهم من دول أخرى، مثل عمان وإيران والهند وغيرها، وكانوا يبيعون الموز والمانغو والليمون والرطب، وبعض السلع المستخدمة آنذاك.
أما الحاج سالم سيف، فقد طوى سبعة عقود ونصف من عمره، واكتفى أيام شبابه بعد الحرب العالمية الثانية، بجلب مياه الشرب من آبار الفلج محملة على الحمير والجمال، ليشارك فيها كسلعة تجارية، حيث تعبأ في «البيب»، وهو الوعاء الذي يتسع لأربعة جالونات.
في نهاية الستينات بدأ السكان يهجرون منطقتهم الأولى، ليتوزعوا بعيداً عن السوق. وكان السبب وفاة بعض أصحاب البقالات الصغيرة، إضافة إلى التغيرات التي تفرضها الحياة بطبيعتها المتقدمة، وهو ما أدى في النهاية إلى هجران تام، للمكان الذي قرّب الجميع وأبقاهم على اتصال، وظلت تلك البقعة المطلة على البحر بعيدة مع توسع السكان وامتدادهم لمناطق أخرى.
كان التوسع هذا، كافياً لطمس معالم «سوق العرصة»، وما جاوره لفترة طويلة، حتى أمر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بإعادة ترميم السوق، قبل نحو خمسة عشر عاماً.
وبعدما كان في وضع متهالك ومهدد بالزوال. وأعيد بذلك ليكون مفتوحاً أمام الجميع، لا سيما من عاشوا هناك طفولتهم وشبابهم، فاستعاد السوق شيئاً من هيبة الماضي، وعاد أصحاب المقهى إلى مهنتهم الأولى، حيث تولى الحاج محمد الأحمدي إدارة مقهاه، إلى أن وافته المنية قبل فترة قريبة، ليتسلم المهمة ولده يحيى.
مضيفون وضيوف
يحيى الأحمدي شاب في الأربعينات من العمر، رضي بما ورّثه له أبيه، واستعد بكل رحابة صدر لإبقاء صورة الماضي ماثلة في مقهى ترسخت على جدرانه العتيقة صوراً وذكريات ربما لا تزال تجمع الكثير من الشواب، الذين يأتون من مناطق بعيدة، ويقضون أمسية فيها معانٍ ومفردات لا يفهمها إلا القليل، فيتبادلون القصص والحكايات القديمة.
ويسوقون الواقع بما يحمل من قصص وبطولات الأسهم، ومتابعة آخر أخبارها بين الشواب والشباب، فهي الجزئية الحديثة والوحيدة التي أقحمت إلى مقهى الماضي الفريد، بمشهده المصر على بهاء ونضارة كل قديم، حيث فنجان الشاي أو القهوة العربية، وبعد الرطب، إلى جانب عدد من الآكلات الشعبية التي يفضلها حتى الشباب مثل «الهريس والنخي والباجلا».
خالد السويدي، شاب في ربيع عمره يعمل موظفاً في إدارة جوازات الشارقة يومه ليس كغيره من الشباب، فهو لا يفضل من هذا العصر إلا ذلك المكان.
وهو يجلس لساعات على كرسي تفوح منه ذكريات أجداده، يمارس هوايته في تبادل أطراف الحديث مع الشواب واحتساء بعض المشروبات أو تناول إحدى الأكلات الشعبية، ولا يقطع متعته هذه، كما يقول إلا صوت الأذان، فيذهب الجميع لأداء فرض الله، ثم يعودون إلى مواقعهم. وهي صورة يومية تعودها خالد وجلساؤه.
بعد الانتهاء من العمل يومياً ودونما تردد يتوجه خالد من بيته قرب مطار الشارقة إلى سوق العرصة، ليعيش حياة أبيه وأجداده، يقول أنه يشعر مجرد أن يدخل المقهى بسعادة غريبة، تنسيه كل همومه ومشكلاته، وتبقيه في جو طالما فضله.
ويواظب على مجالسة كبار السن والاستمتاع بهواء صنعته الطبيعة وعطرته تحف المقهى القديمة، أما «سوالف» الحاضرين فهي المحاضرات الغنية والطريفة والتي لا يمكن أن يتغيب عنها، إلى جانب تداول آخر أخبار الأسهم صعوداً وهبوطاً من منظور واهتمام الجميع، شواباً وشباباً، ومنذ عام 1996 وحتى الآن لم يحرم شيء خالد من روعة ذلك المكان سوى الضرورة.
لا يفضل هذا الشاب مقاهي اليوم بلونها ورائحتها الجديدة، لأنها تمثل جواً لا يجد للمواطن الأصيل مكاناً فيه، بعكس ما يميز مقهى العرصة القديم، حيث اللهجة والمصطلحات الأصيلة التي تعرف مواطني الدولة، و«الكندورة والغترة والعقال»، التي تضيف لجمال وعراقة المقهى الكثير من المعاني، وتجعل الجميع شواباً وشباباً يعيشون ويتشاركون القصص والروايات نفسها، بهدوء البسطاء وحكمتهم، بعيداً عن ضوضاء التقدم وضبابية الحداثة.
تلك اللوحة الجمالية لكراسي قديمة وجدران شكلها وألوانها مختلفة، وسقف متواضع بسيط، والمتشحة بألوان البياض من الزي الإماراتي التقليدي، وما كسرها فقط صورة واحدة لثلاثة شبان في مقتبل العمر، بدت على وجوههم ملامح عربية، ولفت انتباه الجميع تركيزهم وتمعنهم في خريطة صغيرة يحملونها هؤلاء الشباب قدموا من تونس.
ولا يبدو انهم يبحثون عن عمل اسمه، وقال أحدهم، اسمه عبد الرؤوف الخانوسي، أنهم قدموا من تونس إلى الإمارات من أجل السياحة، ويسيرون يومياً على أقدامهم من الساعة الخامسة مساءً وحتى ساعات متأخرة من الليل، قاصدين الأماكن السياحية القديمة وبعض الحدائق المعروفة في كل إمارة ويستعينون بخريطة صغيرة تعرفهم بتراث الإمارات السبع و«الدافع فقط أنهم لا يجدون متعة إلا مع قديم كل بلد وتراثه وحضارته».
الخانوس أظهر تعلقه بالسياحة والتراث، الذي دفعه إلى المجيء إلى دولة الإمارات مع اثنين من أصدقائه للتعرف على كنوزها القديمة «فلا يمكن التعرف على بلد إلا من خلال تراثه والحضارة القديمة فيه» فالتقنيات الحديثة والمناظر الخلابة، مشاهد صنعتها التكنولوجيا الغربية وأصبحت قاسماً مشتركاً بين معظم الدول، أما سوق العرصة، ومقهاها القديم فهو مالا يوجد أو يتكرر في أي مكان آخر، لذلك أفضل التعرف على كل شعب من خلال قديمه وتراثه.
عنان كتانة