يتوقف زائرو اليمن أمام ظاهرة يستغربونها، لكنها ليست غريبة على أهله، ففي ظهيرة كل يوم يتدفق المئات من سكان المدن باتجاه الأسواق المخصصة لبيع أغصان القات المتفاوتة بأسعارها ومسمياتها. ازدحام يخلط المشاة بالمركبات، والباعة بالمشترين، فالجميع هنا يريد اللحاق قبل غيره لشراء الأغصان الجيدة، حركة عفوية تشبه لوحة تشكيلية تجمع الألوان الزاهية بأوراق القات الخضراء والحمراء.

ساعات قليلة ثم تبدأ الأعداد بالتناقص، فمن اشترى مطلبه يستعد للعودة إلى منزله، أو الذهاب إلى احد المقاهي الشعبية، ومنهم من يذهب إلى المنتديات التي تجمع شرائح مختلفة من الأدباء والمفكرين والمثقفين والفنانين والصحافيين.فجأة يجد الزائر وكأن الأسواق قد خلت من مرتاديها فالناس الآن يقبعون في أمكنتهم استعدادا لتمضية ساعات طويلة وهم متكئون على الوسائد أما في حوار وجدل لا ينتهيان وأما في تفكير عميق يصحو بعده «المخزن» بشعور غريب أشبه بمن كان في رحلة شاقة وعاد بعدها بحثا عن الراحة والهدوء.

بل لنقل استعدادا ليوم آخر في الزمان والمكان ذاتهما، هذه هي الحالة اليومية التي أصبحت طقوسا يومية يمارسها «مخزن» القات في اليمن، وتذكر بعض الدراسات أن مابين 50 إلى 70 بالمئة من الذكور وكبار السن أو 30 بالمئة من النساء المتزوجات يتعاطون تخزين القات، وما يتركه ذلك من آثار اجتماعية وصحية سلبية.

* ثقافة القات

يتوزع المخزنون على فئات مختلفة من المجتمع اليمني، ومنهم المفكر والأديب والصحافي والإنسان البسيط. وهم لا يختلفون عن بعضهم بالطقوس والتفكير، وتتميز المنتديات التي أصبحت منتشرة بكثرة في اليمن، بالحضور الذي يخوض في نقاش، ولا يتردد في انتقاد الحكومة وسياسة الدولة، بينما بدأ بعض هذه المنتديات يعتمد أسلوباً حضارياً من خلال إحياء ذكرى وفاة مبدع أو فنان، أو الاحتفال بالأحياء من المبدعين والمفكرين اليمنيين، من أمثال الشعراء الراحلين الدكتور محمد عبده غانم ولطفي جعفر أمان، والفنانين احمد بن احمد قاسم ومحمد سعد عبدالله ومحمد عبده زيدي وغيرهم.

* أغصان خضراء

ينتشر تعاطي القات على نطاق واسع في اليمن ومنطقة القرن الأفريقي، مثل الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا ، وتزرع شجرة القات على المرتفعات الجبلية والهضاب البالغ ارتفاعها حوالي 800 م من سطح البحر، وذات قدرة كبيرة على تحمل تقلبات الطقس، وفي مختلف المناطق اليمنية وأشهرها البلدي والضلاعي والعنسي والضالعي، ويصل طول الشجرة أحياناً إلى ستة أقدام، بينما يتجاوز 25 قدما إذا تركت من دون تقليم، وتعتبر شجرة القات من النباتات المعمرة دائمة الخضرة.

* مصدر دخل

تعتبر زراعة القات في اليمن واحدة من أهم المصادر الاقتصادية للمزارعين في اليمن. ويحرص المزارعون على زراعة شجرة القات لما لها من مردود اقتصادي ضخم. وتحتل شجرة القات مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وتستنزف رعايتها كميات من المياه أكثر من المزروعات الأخرى.

ويرى الأخصائيون المحليون أسباب كثرة المشاكل التي تطفو على السطح الاجتماعي، وخاصة ما يتصل منها بتهديد البناء الأسري إلى إشكالية تعاطي (القات) التي تلعب دوراً حاسماً في التأثير على دخل الأسرة، وبالتالي ظهور مشاكل اجتماعية تؤدي في مجملها إلى نشوب خلافات أسرية.

واللافت أن الحكومة اليمنية تعترف بسلبيات تخزين القات، ولكنها تدرك أيضا أنه لا يمكن مقاومته في المدى المنظور، بينما تنحصر الدعوات للإقلاع عن تناوله في الإطارين النظري والإرشادي، من دون أن تقترن بقرارات حازمة، والتعليمات الرسمية للامتناع عن تناول القات أثناء العمل تبدو غير منفذة على الأغلب، و يضيع على الدولة اليمنية ما يقارب من عشرين مليون ساعة عمل يومياً على الأقل بحسب تقديرات الباحثين في هذه الظاهرة.

* مشكلات صحية

ويرى الأطباء في اليمن أن القات ليست له أية فوائد صحية كما يتوهم بعض المتعاطين، ويعددون الكثير من الأمراض التي يتسبب فيها القات، ومنها صعوبة التبول والإفرازات المنوية اللاإرادية بعد التبول وفي أثناء المضغ، وذلك لتأثير القات على البروستاتا والحويصلة المنوية، وما يحدثه من احتقان وتقلص، كذلك يتحدث الأطباء عن الضعف الجنسي كأحد نتائج إدمان القات، كما يؤدي إدمان القات إلى زيادة نسبة السكر في الدم، ما يجعل متعاطيه أكثر عرضة للإصابة بمرض السكري، ويقلل نسبة البروتين في الدم.

مما يؤثر على نمو الجسم، ولعل هذا ما يفسر الهزال وضعف البنية لدى غالبية المتعاطين في اليمن على سبيل المثال.لاحظ الأطباء ارتباطاً بين ازدياد حالات سرطان الفم والفك وبين إدمان هذا النبات ، خاصة في السنوات الخمس الأخيرة إذ انتشرت عمليات استخدام مواد كيميائية غير مسموح بها عالمياً ترش على هيئة بودرة أثناء زراعته.

جميل محسن