لم يخطر على بال الذين شيدوا برج القاهرة الأكثر ارتفاعاً في مصر أنه سيكون يوماً محطة فاصلة بين الحياة والموت للذين أصابهم نكد الدنيا، فقرروا مغادرتها إلى الآخرة.. فهذا المبنى الشاهق (178 متراً) والذي يزيد ارتفاعه على الهرم الأكبر خمسين متراً والشاهد على مرحلة العداء السياسي القديم مع الولايات المتحدة يخشاه أولياء أمور طلاب الثانوية العامة الذين لم يحالفهم الحظ، فهو المكان الذي ربما يذهب إليه التلميذ الراسب لينتحر.

وبهذه الخلفية تعتبر إدارة البرج والعاملون فيه، الأيام التالية لظهور نتيجة الثانوية العامة من كل عام، موسماً رائجاً للانتحار، فيشددون الرقابة على الزائرين، وخاصة أولئك الذين يحضرون إليه بشكل فردي. وجعلت حالات الانتحار التي شهدها البرج في مواسم سابقة، العاملين فيه خبراء في مراقبة الزبائن ومراقبة انفعالاتهم، بدءاً من الوقوف أمام شباك التذاكر في الدور الأرضي، وحتى الصعود إلى قمة البرج على ارتفاع 187 متراً.

وقد نجحت هذه الخبرة في منع ثلاث حالات خلال الأيام الماضية، كما نجحت منذ خمسة أشهر في منع فتاة عمرها 27 عاما من الانتحار عندما لاحظ مشرف الأمن حالة الانهيار التي تمر بها، وظل يراقبها إلى أن قفزت فوق السور، فأمسك بساقيها ونجح في إنقاذها. ووقعت حالة انتحار منذ حوالي ثلاثة أعوام، وقام بها سائح ألماني حضر إلى البرج مع صديقته. وكان انتحاره مفاجأة لإدارة البرج حيث لم يبد عليه أي انفعال يدل على أنه سيقدم على الانتحار.

ولم تكتشف إدارة البرج انتحاره إلا بعد حوالي ساعة وذلك عندما حاولت صديقته الانتحار، وأنقذها مشرفو الأمن واعترفت لهم أن صديقها ألقى بنفسه وأنه يعتنق فكراً متطرفاً وطلب منها أن تلحق به إذا لم يعد إليها خلال ساعة. وعثر على جثته في الحديقة الخلفية للبرج. وبعيدا عن شهرة البرج في عمليات الانتحار التي رشح لها أكثر من فيلم سينمائي مثل «موعد مع البرج» للفنانين الراحلين صلاح ذو الفقار وسعاد حسني، فإن البرج الذي شيد عام 1961 بأيد مصرية وخبرات روسية يرتفع عن سطح الأرض 187 متراً، ويبلغ محيطه عشرين مترا وقد تكلف عند إنشائه 3 ملايين دولار.

ويعيد سعيد عبدالمنعم المدير المسؤول عن البرج إلى الأذهان أن المخابرات الأميركية حاولت رشوة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بهذا المبلغ لمد جسور مع الحكومة المصرية، إلا أن الزعيم عبدالناصر فاجأ واشنطن بتوجيه المبلغ لبناء هذا البرج العملاق. وقد تم افتتاحه في 11 ابريل عام 1961 في احتفال كبير.ويطلق المصريون عليه أحيانا «برج الجزيرة» لأن موقعه يتوسط منطقة الجزيرة بجوار النادي الأهلي واتحاد الكرة ونادي المعلمين.

القاهرة ـ محمد هشام