الدكتورة ماري صوفي أستاذة الآثار في جامعة السوربون في باريس، والفرنسية العاشقة لآثار الإمارات، فقد تخصصت تحديداً في دراسة هذه الآثار أثناء فترة دراستها وتحضيرها لرسالة الدكتوراة عام 1981.

وهي السنة التي شهدت اللقاء الأول بين طالبة الدكتوراه القادمة من باريس، وآثار هيلي في العين، وتحت إشراف الآثاري الفرنسي الشهير ورئيس البعثة الفرنسية التي كانت تنقب في عدة مواقع في مدينة العين د. سيرج كليزيو. ومنذ ذلك التاريخ بدأت علاقة الدكتورة ماري بالعين ولم تنقطع إلى اليوم. «البيان» التقتها في موقع الرميلة حيث تترأس حالياً فريقاً للتنقيب في آثار المنطقة:

ـ اخترت منذ البداية أن تكون رسالتك لنيل الدكتوراه عن آثار الإمارات، ترى ما دوافع هذا الاختيار؟

ـ عندما كنت طالبة في الجامعة، اخترت أولاً دراسة الآثار، آثار الأمم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وآسيا. حين وصلت لمرحلة الدكتوراه وكان معي بالطبع في الجامعة العديد من الزملاء والزميلات الطلاب والطالبات، وكنت ألاحظ اختيارهم لمناطق معروفة في الشرق الأوسط، سواء في الهند وحضاراتها أو باكستان أو حضارات وادي الرافدين في العراق.

ورأيت إني لو اخترت. مثلما اختار زملائي وزميلاتي لن أكون متميزة عنهم بشيء. فجاء اختياري للبحث والتنقيب عن آثار الحضارات التي عاشت على أرض الإمارات، نوعاً من التغيير والتميز في الوقت ذاته، لكنه كان نوعاً من التحدي لطالبة لم تزر هذه المنطقة من قبل.

وهكذا بدأت لعبة التحدي. فبدأت البحث عن مصادر تعينني على التعرف على المنطقة التي سأزورها وأجري دراسة لآثارها تحت إشراف الدكتور سيرج كليزيو رئيس بعثة التنقيب الفرنسية آنئذٍ. فوقع بين يدي كتاب يتكلم بشيء من التفصيل عن المنطقة وآثار بعض المواقع، والأمكنة، فتوضحت لي نوعاً ما صورة المكان.

ـ ما عنوان ذلك الكتاب؟

ـ انه «الرمال العربية» للرحالة البريطاني الشهير ولفرد ثيسغر الذي زار المنطقة مرات عدة وكتب عنها..

ـ قرأته بلغته الأصلية الانجليزية أم مترجماً؟

ـ لا، قرأته مترجماً إلى اللغة الفرنسية.

ـ ماذا ترك لديك من انطباع؟

ـ أعطاني صورة ما عن المنطقة. وكنت قد قرأت بالطبع عن تاريخ المنطقة بهدف التحضير لزيارتي المفروضة لأنها كانت من اختياري، وفرحت جداً حين جاءت الموافقة من الجامعة على ذلك الاختيار، كتاب ثيسغر أثار لدي الفضول أكثر لزيارة المنطقة، واكتشافها، والتعرف على أهلها قبل التنقيب عن آثارها، والتعرف على الصناعات المحلية التي مارسها الإنسان في هذه المنطقة في العصور السحيقة ومنها العصر البرونزي.

ـ بعد زيارتك المنطقة في المرة الأولى، ما الذي أثار انتباهك أكثر؟

ـ شدني جداً منظر تشكيلات الكثبان الرملية في منطقة المسعودي ومنطقة «هيلي» وتنوع جغرافية المكان بين الصحراء والجبل، خاصة جبل حفيت والآثار المكتشفة في مقبرة هيلي. ولا أنسى منظر تلك التشكيلات الطبيعية لتلك الكثبان. كانت من المناظر الأولى التي جذبتني، ربما لأني قرأت عن الصحراء، وها أنذا أصافحها وأتعرف عليها عن قرب وكأن الحلم أصبح حقيقة.

وأنت تعرف ماذا تعني لدينا في الغرب الصحراء. إنها الغموض المغلف بأخطار وأهوال، ولكني شعرت بارتياح كبير منذ زيارتي الأولى نظراً لما وجدته من أجواء ودودة من كل من تعاملت معهم من أهالي المنطقة. كنت خائفة بالطبع في البداية، ولكن تبدد الخوف سريعاً، لتلك المساعدة وكرم أخلاق أهل المنطقة وتذليلهم الكثير من الصعاب. ويجب أن أذكر هنا أني كنت في ذلك الوقت طالبة جامعية ولست مسؤولة عن فريق عمل كما هو الحال الآن.

ـ لكن هل كان لاختيارك موضوع رسالة الدكتوراه أسباب أو خلفيات غير الدراسة ساعدتك على اتخاذه؟

ـ بالطبع كان هناك سبب رئيسي لهذا الاختيار وسهّل لي أساساً الوصول إلى هنا بل واختيار الموضوع منذ البداية، وهو لقائي بالدكتور كليزيو في باريس الذي كان يترأس بعثة التنقيب الفرنسية في الإمارات في ذلك الوقت، وقد رشحني هو شخصياً لإكمال رسالتي، وكانت عن أشكال الفخاريات في منطقة الخليج، وتحديداً في «الهيلي».

وبالفعل جئت واشتركت في التنقيب وكان من زملائنا في ذلك الحين من دائرة الآثار والسياحة الدكتور وليد ياسين وهو اليوم زميلنا أيضا في عمليات التنقيب التي نجريها منذ أربع سنوات. زملاء كنا، وما زلنا نلقى منهم كل التفهم والود والمساعدة في دائرة الآثار والسياحة في العين.

ـ ماذا وجدتم أخيراً من آثار؟

ـ عثرنا على العديد من الأواني الفخارية المتعددة الأحجام، وعدداً من العظام والأدوات الحجرية التي استعملها إنسان المنطقة القديم، كما وجدنا أدوات زينة حجرية أيضا كبعض القلائد التي كانت تتزيّن بها النساء في ذلك الوقت، مما يدل على وجود تجمعات بشرية قروية الطابع في مدينة العين تعود إلى العصر البرونزي أي لأكثر من 4 آلاف سنة مضت.

ـ تعملون كفريق عمل؟

ـ بالطبع، نعمل كفريق عمل معي الدكتورة ماكسويني كات من جامعة أدنبرة في اسكوتلندا والدكتور وليد ياسين وعدد من الزملاء. ونحن ننقب في مواقع في «هيلي» منذ أربع سنوات، وأنا أدير هذا الفريق.

ـ ما الأشياء التي تنقبون عنها؟

ـ عن القبور الآدمية، أو المدافن، ففيها يمكن أن نجد تلك الفخاريات التي تحدثت عنها وأدوات الزينة، بل ووجدنا آثار لنواة النخيل، ومن خلال ما نجده في مثل هذه المدافن من آثاراً يمكننا التعرف على طبيعة العلاقات البشرية في تلك المجتمعات التي تكونت في تلك الفترة السحيقة من الزمن.

كعادات الزواج، وطقوس الدفن والعزاء التي كانت سائدة في تلك التجمعات القروية، التي عاشت في واحة العين قديما. والزميلة د. مكسويني مثلاً متخصصة بدراسة أشكال وتحديد أعمار العظام الآدمية التي يمكن ان نجدها في مثل هذه المدافن. وإرجاعها إلى الزمن الذي عاشت فيه للتعرف على طبيعة الحضارة أو دورة الحياة التي كانت سائدة في المنطقة في العصور السحيقة الغابرة، وهنا تبرز علاقة التاريخ بالآثار هذه العلاقة المتكاملة.

وقد ألفت كتابا عن تاريخ صناعات الفخار، أو الفخاريات في منطقة شرق الجزيرة العربية، وصدر في باريس عام 2000 ذكرت فيه الكثير عن المكتشفات الأثرية التي كنا قد بدأناها عام 1981م وإلى ما قبل دفع الكتاب إلى المطبعة، مع استعراض شامل موضح بالصور والرسومات للمواقع التي عملنا بها.

والمكتشفات والمقتنيات التي حصلنا عليها سواء في مدافن هيلي ومنطقة المسعودي أو منطقة جبل حفيت، وهو كتاب أعتقد أنه الأول من نوعه الذي يكتب عن آثار مدينة العين. لذا أتمنى ان يستفيد منه الباحثون والمهتمون بتاريخ المنطقة. كما وأتمنى ان يترجم إلى اللغة العربية ليستفيد منه أبناء المنطقة وكل مهتم بتاريخ وآثار الإمارات.