نشأت في مصر في أعالي «الوادي» في قلب طيبة، أقدم الحضارات وأكثرها عراقة، ومنها حضارة عصر الأسر الفرعونية، وتحولت المنطقة إلى نموذج عالمي، يتضمن شواهد نادرة، أولها «إخميم» مركز النسيج وحجازة معقل التحف الفنية المنحوتة من الخشب. وقد ساعد على بقائهما جمعية أهلية هي: جمعية الصعيد للتربية والتنمية.

وبدأت هذه الجمعية نشاطها منذ منتصف القرن الماضي تقريباً، واعتمدت خطة لتنمية مجتمعات الوجه القبلي بالحفاظ على الحرف اليدوية ذات التراث العريق وتطويرها، وطبقت ببساطة استراتيجية نفذتها الدول لتحقيق طفرات اقتصادية كبيرة بتنمية الحرف البيئية التي تشتهر وتتميز بها كل منطقة حسب إمكاناتها ومواردها، ونجح هذا المشروع الضخم، في تقديم الخدمات التنموية بالجهود الذاتية، اعتماداً على الإفرازات المحلية، في كل من قريتي إخميم ومجازة.

* فن فطري

«إخميم» هي أقدم المدن في العالم، كما تؤكد مصادر تاريخية، وتقع على بعد 500 كيلو متر جنوب القاهرة، في قلب الصعيد على الضفة الشرقية للنيل تقابلها مدينة «سوهاج»، وقد استمدت اسمها من الإله ميم إله الخصوبة عند المصريين القدماء.

احتفظت اخميم منذ 400 عام بطابعها الخاص وحرفتها الأساسية وهي النسيج، الذي كان يعتمد عليه في العصر الفرعوني ثم القبطي وكان النسيج القبطي أشهر وأفضل ما عرفته مصر، وظل مزدهراً في ظل الفتح الإسلامي، بل كان الصانع القبطي، يشارك في صناعة كسوة الكعبة.

ويقول إميل نوير رئيس مجلس إدارة جمعية الصعيد للتربية والتنمية: بدأنا نشاطنا في «إخميم» عام 1960لتلبية احتياجات الفتيات هناك، وتدريبهن على أعمال النسيج اليدوي، التي تحولت إلى قطع فنية من وحي التلقائية والفطرية لهؤلاء الفتيات، في صورة مفارش ووسائد وملاءات أو لوحات مطرزة تستخدم كقطع ديكور.

وبدعوة من الجمعية أنشأ مركز النسيج في إخميم فريقاً من «الحرال» وهي حركة نسائية دولية تعمل من أجل التنمية الاجتماعية، بتبنيها قضايا المرأة وتضم مجموعة من السيدات المصريات والأجنبيات، يعملن بجد لمساعدة الفتاة الإخميمية على تلبية احتياجاتها ونمو شخصيتها وتحقيق ذاتها وتنمية وعيها بأهمية العمل الجماعي، وقد عمل الفريق رغم معارضة بعض الرجال الذين لم يعهدوا عمل المرأة على النول، خاصة وأنه يتطلب مجهوداً بدنياً شاقاً.

ويضيف نوير: إن في المركز 500 نول يدوي ولا نستخدم أي وسائل تكنولوجية في صناعة النسيج حتى لا تتغير ملامح التراث الذي عرفته إخميم منذ عصور.

ولا تزال الفتيات يقتبسن تصميماتهن من النقوش التقليدية القبطية والإسلامية، بالإضافة إلى النقوش المستوحاة من البيئة المحلية مثل الأشجار والطيور.

ويضم المركز نحو 400 فتاة تتلقى كل منهن فترة تدريبية تصل إلى ستة أشهر تصبح بعدها الفتاة قادرة على القيام بكل أعمال المركز. وتعطى الأولوية للقبول في المركز للفتاة الإخميمية الأكثر احتياجا حيث يستقبل المركز الفتيات اللائي لم تتح لهن فرص التعليم ابتداء من سن 15 عاماً فأكثر. وتباع منتجات الفتيات، في المعارض التي تقيمها الجمعية سنويا في القاهرة والإسكندرية والأقصر.

* النحت في الخشب

تقع قرية حجازة في محافظة قنا شمال شرق مدينة الأقصر، حيث كانت الممر الرئيسي عبر الصحراء للوصول إلى الأراضي الحجازية لتأدية فريضة الحج. ولذلك سميت «أم حجازة». وعرفت القرية الصناعات والمشغولات الفنية من الخشب لوجود أجود أنواع الأشجار مثل الربوع والكاي والبرتقال.

فقد كانت أخشاب تلك الأشجار تجفف وتخزن لمدة عامين، ثم يتم خرطها أو نحتها حسب الحاجة حيث يتم تصنيع الأطباق وأدوات المطبخ والشمعدانات والأباجورات، ولوحات فنية منحوتة حسب الطلب، ولا تضاف أي ألوان إلى أدوات المطبخ حتى تكون صحية لتناول الطعام.

ويقول نادر حسني المسؤول عن المعرض السنوي للجمعية في القاهرة إن ورشة الخشب في حجازة تستقبل الأطفال من سن 6 ـ 15 سنة فلابد من تدريب الشباب في سن صغيرة ليكتسبوا المهارة اللازمة.

وتستمد المشغولات الخشبية لشباب «حجازة» تصميماتها من الطابع الفرعوني مثل: الكراسي والمناضد الصغيرة، بالإضافة للزخارف الإسلامية والقبطية، وتشمل منتجات حجازة اللوحات الفنية المنحوتة، وتماثيل الطيور والحيوانات وأدوات المطبخ، وكلها بألوان الخشب الطبيعية.

القاهرة ـ فيصل حماد