يتحدث جيل الشباب في لبنان هذه الأيام عن الحرب بخفة، كمن اعتاد على الحروب فما عاد يهابها، أو كمن ابتعد عنها فكاد ينسى تفاصيلها البشعة. الحرب بالنسبة لشبان هذا الجيل الذين ولدوا مع الحرب أو بعدها بقليل، ليست هي الحرب ذاتها التي يتكلم عنها أهلهم.
الحرب لا تخيفهم، بل ويتذكرونها بشيء من الحنين، وبشوق مخجل يحاولون عدم إظهاره. يشتاقون إلى الحرب كما يشتاقون إلى لبنان حين يعيشون خارجه، أو كما يشتاقون إلى طفولتهم.
هذا الجيل لا يخاف من الحرب، ولا يعرف بشاعتها. ولم يجرب النزول إلى الملاجئ في منتصف الليل. وليس هناك من أصوات للقنابل والرصاص، تنذرهم بأنهم لن يذهبوا إلى المدرسة في الصباح، والغياب عن المدرسة عطلة، بالنسبة للأولاد، مهما كانت أسبابه، وكيفما أمضوه.
يقول سامر: «كنا نتكلم عن الحرب» حين قالت لي صديقتي بيسان إن في شارع «مونو» الذي كنا في أحد مقاهيه، ملهى ليلياً ديكوره مستوحى من الحرب اللبنانية. خلت في البداية، أن الملهى قائم في أحد مباني بيروت القليلة، التي لا تزال آثار الحرب واضحة عليها. مبنى هدمت القذائف أجزاء منه، وتركت فيه فجوات وآثار شظايا.
أعجبتني فكرة الملهى الذي بني في ديكور بقي متأثراً بجروح الحرب، كما أعجبني تمثال ساحة الشهداء الذي أعادوه إلى مكانه، دون أن يخفوا عنه آثار الشظايا الكثيرة والصدأ.
«يجب أن يبقى في بيروت أثر للحرب اللبنانية»، قال سامر لصديقته «بيسان»، وأنا أرفع صوتي، كان بيننا مسافة كبيرة، في حين كنا جالسين جنباً إلى جنب في أحد ملاهي شارع «مونو»، حيث الموسيقى صاخبة.
الملهى الليلي الذي اسمه «1975»، وهو تاريخ بداية الحرب اللبنانية، لم يكن بعيداً عن المقهى الذي كنا فيه، سرعان ما وصلنا إليه، وسرعان ما عرفت أن الحرب التي فيه ليست حقيقية. فهو واقع في منتصف شارع «مونو».
حيث لا أثر باقياً من الحرب في الحجر. شارع مونو الذي رُمّم بأموال «السهّيرة» الشبان والصبايا، والذي يعاد ترميم واجهاته، كلما ملّ هؤلاء من ملهى ومن ديكوره. شارع مرّت عليه الحرب. ولكن مر عليه السلم بعدها، فبنى ما هدمت الأولى.
يقوم «ملهى الحرب» في إحدى تلك الأماكن التي رممت بعد الحرب ولم يبق فيها من المعارك البيروتية أي أثر. تمت مسرحة الحرب فيه، وتم بناؤها. حرب من عمل مهندس ديكور، بدت مصطنعة لا ثقل فيها. آثار الشظايا صنعها عمال الديكور بأدوات العمارة المعهودة، ودون إطلاق نار.
وأكياس الرمل التي تملأ المكان خفيفة حين نحملها، وملمسها ناعم وهي أقرب إلى الوسادات منها إلى أكياس المتاريس.الحرب ليست حقيقية في «ملهى الحرب»، بل هي مصطنعة لا تاريخ فيها. حرب تم رسمها على الأوراق، بعد أن جاءت فكرة في رأس مهندس الديكور، ثم نفّذها البناؤون بأسلحة غير مؤذية.
«1975» هو ملهى السلم أكثر منه ملهى الحرب. هو مكان للسهر في بيروت التجارة والسياحة، ولا يشبه ذاك السهر الذي كان في بيروت المعارك والقصف والملاجئ. مكان لا يذّكرنا بالحرب، ولا يشبهها، مكان آخر في «مونو»، حيث يلهو الشباب بالسهر، ويمرحون.
لم يصدق سامر صديقته التي كانت تكلمه عن الملهى بأنها انزعجت من جوه. لأنه ذكرها بأيام الحرب المؤلمة. لم يصدقها، ليس لأنه لا يعرف ألم الحروب، بل لأنه لا يجد في ذلك الملهى ما يذكر بأجواء الحرب. لا قيمة تاريخية في تقليد آثار الشظايا في حيطان جديدة ونظيفة، ولا قيمة لحرب قلدت كما تقلد الحروب في السينما، برصاص فارغ ودماء صناعية.
ديكور الملهى لم تهدمه الحرب اللبنانية كما خلت في البداية، بل بناه السلم. العبوات الفارغة التي زين بها المكان، كأنها لم تنفجر يوماً، و«الأراكيل» التي هي أيضاً على شكل عبوات لا يطلع منها سوى دخان، دخان بلا صوت ومن دون دوي انفجار. وأغنيات فيروز وزياد الرحباني، التي نسمعها هناك، لم تعد تذكرنا بالحرب بل بالسلم القلق الذي لحقها، والذي بقينا فيه نسمع فيروز وبقيت هي فيه تغني.
لا حرب في شارع «مونو» ولا شيء يذكّر الساهرين بها. هو شارع ما بعد الحرب، وروّاده يقصدونه.. يتسلون ويرقصون على أنغام زياد الرحباني، ولا يفكرون بالحرب حتى وهم في ديكور يقلّد المتاريس. قالت إحدى الساهرات: أحب المجيء إلى «ملهى 1975» لأن فيه موسيقى عربية، وهو أمر نادر في شارع «مونو». ثم تنظر إلى ديكور المكان كأنها تجد جوابها في جدرانه وضوئه الخافت: «إنه جميل».
ملهى الحرب هو الملهى اللبناني الوحيد في شارع «مونو»، وربما كان ذلك أكثر ما يميزه عن الملاهي الأخرى. الحرب فكرة لديكوره، كما تشي غيفارا فكرة لملهى آخر في الشارع نفسه (الكوبا ليبري)، وهو بالمناسبة للشخص نفسه الذي يملك في «مونو» أربعة ملاه لكل منها ديكوره ولكل منها فكرته. صاحب المحل كان جالساً في زاوية من محله الجديد، يقول: لماذا الحرب؟: «لا حرب هنا، اعتبر أننا في هدنة».
لن يبق أثر للحرب في بيروت، وربما يصبح هذا المكان، كأنه الدليل الوحيد على حدوثها، دليل مصطنع، يحلو فيه السهر واللهو، لشباب وصبايا يشتاقون أحياناً إلى الحرب الحقيقية، أو غداً يملّ «السهّيرة» من هذا الديكور، فيحوله صاحب المحل إلى ديكور آخر، ويغير اسمه، ونذهب إليه لنكتشفه من جديد.
بيروت ـ فراس زبيب: