قبل 15 سنة تقدم ذوو إخلاص قعفراني بطلب توظيف لابنتهم في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، حيث بدأت العمل موظفة استقبال (على الهاتف) وما لبثت أن أصبحت سكرتيرة تنفيذية، واستحقت على عملها جائزة الموظف المتميز.

وتتمتع إخلاص بحياة طبيعية، ولا يمكن أن تلاحظ إعاقتها إلا عند المشي. تقول إخلاص إن إعاقتها الحركية، تسببت لها في البداية ببعض الصعوبات. لكنها تغلبت عليها بالإرادة والإيمان. وتقول: «اليوم أعيش حياة طبيعية، لدي عمل وسيارة وعلاقات اجتماعية». وتضيف:

«العمل منحني ثقة كبيرة في النفس وهو يملأ وقتي. أفكر أحياناً بالزواج على أساس أنه يؤمن جزءاً من الاستقرار ولكنه ليس هاجسي و«المسألة قسمة ونصيب، كما يقال». تعيش إخلاص وهي لبنانية من مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان في الشارقة مع أهلها منذ سنوات طويلة. وتقول إن ذويها لم يميزوها عن أخواتها، فلم تكن الإبنة المدللة، ما ساهم في تكوين شخصيتها التي تتسم بالتفاؤل وزيادة عزيمتها وقدرتها على تحديد الأهداف وتحقيقها.

حب من أول نظرة

قصة حب ندى ومحمد حاكتها لغة الاشارات، وأثمرت زواجاً مازال مستمراً أكثر من عشرين سنة وأسرة مميزة بكل شيء.التقى الاثنان في بيروت، وكان حباً من النظرة الأولى. رفض ذوو ندى العريس بسبب خوفهم على ابنتهم، فمصر بعيدة ومحمد يعاني من الإعاقة ذاتها التي أصابت ندى وما يترتب على ذلك من صعوبات وتحديات. تؤكد ندى تمسكها بحبيبها وتشير إلى تدخل جدتها لصالحهما، وتزوجا بعد ثلاثة أشهر.

أجبرت ظروف الحرب في لبنان محمد للسفر إلى دولة الإمارات ولم يتمكن من احضار زوجته إلا بعد سنتين. يقول: «مررنا بظروف صعبة جداً، تجاوزناها بالإيمان والتضامن، ومساعدة أصدقاء أوفياء». وتشرح ندى بفخر كيف تمكنا من تربية بناتهما الثلاث والتفاهم معهن: «كنت أجلس خلف ابنتي الكبرى وكان عمرها سنة ونصف، اربت على كتفها لتنظر إلي، حتى تعلمت أن تحادثني بالطريقة ذاتها وما لبثت أن أتقنت لغة الإشارات».

لم ترث أي من الفتيات إعاقة الوالدين، جميعهن متفوقات في الدراسة. أنهت ميساء (23 سنة) الإبنة الكبرى دراستها الجامعية، وتعمل حالياً في احدى الشركات في جبل علي، أما نسمة (16 سنة) وميرنا (14 سنة) فلا تزالان في المدرسة.

تقول ندى «إن الفتيات فخورات بنا ويعرفن جيداً التعب والجهد الذي نبذله في سبيل ضمان مستقبل جيداً لهن». وعن علاقتها ببناتها تؤكد أنها مبنية على الثقة، تعرف كل شاردة وواردة عنهن. «تعرفن عندما أتخاصم مع والدهن، وإن تجادلنا بلغة الإشارات».

تخطى الزوجان كل المعوقات والصعوبات، وتمكنا من العيش حياة طبيعية وأسسا عائلة متماسكة، يتطلعان إلى اليوم الذي يريان فيه بناتهما في أفضل المراكز، متزوجات وأحفادهما يلعبون بينهما.

محمد أبو زهرة (27 سنة) مدرس تربية فنية في مركز مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، يمكن تسميته «ابن بطوطة» لكثرة تنقله بين الإمارات ومصر والأردن سعياً وراء العلم. نال محمد شهادة الثانوية العامة، وتابع دورات عدة في الرسم التشكيلي قبل أن يبدأ جدياً التفكير بالمستقبل.

ويقول: «أصبح هاجسي الالتحاق بجامعة أنال منها شهادة، بينما كانت والدتي تصر على أن أجد عملاً. تقدمت بأوراقي إلى إحدى الجامعات الأميركية، وأنهيت كل إجراءات السفر إلى هناك، ولكن أبي وأمي منعاني من السفر خوفاً علي.

سمع محمد عن مركز مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، فأرسل خطاباً عبر الفاكس للشيخة جميلة القاسمي رئيسة مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية يطلب فيه وظيفة، «واظبت على إرسال الطلبات حتى وافقت الشيخة جميلة على عملي في المركز كمدرب. ولا يمكنني أن أخفي مدى سعادتي بعملي هنا، ولكن هاجس التحصيل الجامعي لم يفارقني أبداً».

لم يكن محمد الابن المدلل لدى عائلته، فذووه أصروا على تعليمه ليتمكن من مواجهة صعوبات الحياة ودفعاه للاتكال على نفسه واتخاذ قراراته وحده.يسافر محمد إلى مصر للزواج من فتاة اختارتها له والدته تعاني الإعاقة ذاتها. يقول: «لم يكن بإمكاني التحدث معها على الهاتف فلجأنا إلى الإنترنت ورسائل الهاتف المحمول للتواصل والتفاهم».

ويضيف ممازحاً: «حاولت أن أخطب «فتاة ناطقة» لكنني لم أوفق. وبصراحة أرى أن التعامل مع الصم والبكم أسهل بكثير من التعامل مع الناس الطبيعيين». ويختم محمد حديثه قائلاً: «بلغت السابعة والعشرين من العمر وآن الأوان أن أتزوج، من دون أن يعني ذلك التخلي عن حلم الالتحاق بالجامعة. من يدري فقد أترافق وأولادي إلى الجامعة، ونتخرج معاً».

كارول ياغي وسمانا النصيرات